أوتار باب الجـــروح

فبراير 1st, 2007 كتبها  عبد المجيد راشد نشر في , نصوص دفتر العمر

أوتار باب الجروح (2)

              " مخاطبات للنفس و الآخرين "

   

                  عبد المجيد راشد

                    يناير 1996

 

                       (13)

                الخميس : السابع من يناير

 

    عندما يأتى الخميس ، السابع من يناير .. يبدأ العشرون من العمر .. بروح جديدة .. تتلمس الطريق إلى التجاوز .. و تنضج الخطى نحو التواصل و التوحد..

   عندما يأتى الخميس .. تتكثف الرؤية .. لتعزف لحنا آخر من هذه الذكريات ، بكل ما تحمله من فعل ماض .. و بكل ما تستعيده من حدود قبضت فى دفتر العمر على عصفور النفس الباحث عن الحرية ..

   عندما يأتى الخميس .. تذكرنى كل ثانية فى دقائقه .. و كل دقيقة من ساعاته .. و كل ساعة فى يومه .. بما تيسر من سور العشق و الثورة .. ذلك الكتاب الذى سطرته و ما زالت تسطره نبضات قلبنا ، و همسات روحنا .. بكل ما فيه من ألم ، و كل ما يحتويه من أمل .. بكل ما فيه من عذابات ، و كل ما فيه من أغنيات .. بتلك المسافات ما بيننا .. ما قرب منها ، و ما لم يتوحد بعد .. بجغرافيا النفس التى تتحدى الحدود و تقاتل المسافات .. بالكوميديا السوداء التى تعشش فى قفص الصدر .. بتراجيديا الصراع و ما به من إجترار للقهر و الهم و الشجن .. بكلية الكون و شموليته التى تغطى كل  جزىء من جزيئات الأشياء و الأماكن و الأحداث و المواقف و الأسماء و الظواهر و التاريخ .. بالأنبياء و الصالحين و أولى البأس و رموز الأمة ، ذائبين فى جوهر الروح ، سابحين أعماق النفس ..

  … بكل المستضعفين فى الأرض .. المقاتلين من أجل مجرد البقاء على قيد الحياة ، دونما الموت جوعا و عريا و مرضا .. بالتكنولوجيا و علم المستقبليات  حلما يتسع للجميع .. ..

   عندما يأتى الخميس .. ينطلق طائر الروح .. باحثا عن جنته المفقودة .. نصفه الآخر فى عالم لا يعترف بالنصف .. توأم روحه فى دنيا رداءها القهر و سنبلا تها المرارة .. ينطلق طائر الروح متخطيا المسافات .. متجاوزا الحدود .. فاتحا أبوابه و نوافذه لروائح الربيع ، و نسمات العصر ، و زهرة البنفسج الحزينة ، و أفاق من فيض الذكرى لم تصل الآله الحاسبة للقدرة على إحالتها الى أرقام ..

   عندما يأتى الخميس .. لن أعارضه هذه المرة .. لن أقول له توقف عن السير .. لن أحارب فيه الإنطلاق و أنشودة البساطة و الحلم .. لن أضايقه بشجونى و عذاباتى .. سأجعله أكثر إصرارا على الانطلاق .. و أكثر قدرة على إستيعاب الحلم ..

   عندما يأتى الخميس .. سأناديها .. بكل جميل فى هذا العالم أحبك .. و بكل قطرة من دمى المنتشر فى أوردة الأخرين أحبك ..و بكل مساحات الحب بين قلبين أحبك .. سأناديها .. إن حبيبنا المشترك معنا .. مع الذين آمنوا .. يدافع عنهم .. يقف معهم .. يحرسهم .. يتوج كل جميل بما هو أجمل ..

سأناديها .. لا تحزنى .. فدموعك أطهر من أن تسيل على خديك الطاهرتين شجنا على ما لم يحدث بعد .. لا تحزنى .. إن غدا لناظره قريب .. إن غدا ستصنعه الوجوه المتعبة .. إن غدا .. سيتسع لنا .. فالمكان يتسع للجميع .. و كل الأشياء ممكنة

 

                الثلاثاء 5/1/1993

 

                       (14 )

 

إختنق

إملأ فراغك بالشجن

أنثر عبيرالحزن فى روحك

إحتوى كل الجراح

أدخلها واحدة ، واحدة

لثنايا القلب الجريح

لكن

لا تنسحب فى لحظة

لست فارسها

فى موقف

لست مالكه

و لا تكتفى بأغنية

كان يموت من الهم و الحزن

حين كتبها

بحروف ألمه العميق

 

                  (15)

 

إختنق

الهواء حولك

 أكثر من فاسد

المناخ حولك

 يدعوك لليأس

على أقل تقدير

أو الإستسلام

 فى ذروة المأساة

حولى

تلتف خيوط كثيرة

تصنع مؤامرة ما

تكتم أنفاسى

تزيد نيران النفس إشتعالا

و تقهرنى

إبتسامة أحدهم فى الصباح

بعد أن شاهدته فى الليل

يطعننى من الخلف

و تقهرنى

كلماتكم

" أن لا شيىء "

" الحكاية

 أبسط من أن تحملها

ما لا تحتمل "

آآآآآآآآه

ما أوجع

هزيمتكم فى الإنتصار

ما

أوجع

هزيمتكم

فى

الإنتصار

 

    (16)

 

سأخرج من بيتنا فى صباح الغد الجميل .. الممتزج بالهواء الطازج و شقشقة العصافير .. بقايا الندى الغض .. مساحات الزرع الأخضر .. تحية الصباح الممتلئة بالدفء و الحيوية و الأمل .. و لن أصطحب معى أحدا سوى صديقى الوحيد الأن ..حزنى

 

    (17) 

 

                     أيها المجروح :

                    لك الليل …وحدك

 

  " عتمة الزنزانة .. و لا جراح الأحبة ".. يأتيك صوتهم من أعماق نفسك .. يناديك واحدا منهم :

ـ أخطأنا فى حقك يا صاحبنا .. يا ليتنا ما فعلنا

  تشتعل مساحات الروح .. تزداد نيران النفس إضطراما .. يعجز الذهن عن إستيعاب الصدمات تلو الصدمات .. " تأتى الصدمات تباعا " .. و " من الأحبة "

   

 

" يأتيك واحدا منهم " .. تغيرت ملامحه تماما .. لم يتبقى منه سوى تلك الأشياء التى كنت دائما تنتقدها .. ينظر لك بعين منكسرة .. يحكى ما غيرته الأيام .. و ما تغير فى الأيام ..

ـ " الجميع يتاجرون يا صاحبى .. الجميع يلعبون .. الجميع يبصرون مصالحهم .. يعرفون طريقهم جيدا .. الجميع يتاجرون على الجميع .. ما قيمة أن تضحى و غيرك يستفيد .. أنا لم أفقد الإيمان .. و لكن … "  

                        

 

" عتمة الزنزانة.. و لا جراح الأحبة " .. يأتيك واحدا منهم .. و أنت صامت .. لا يخرج من شفتيك حرف .. و لا تتمتم بكلمة .. فقط ، تملأ جوانحك رائحة العطر القادم من دفتر أحلامك بالعدل .. تصدمك الكلمات .. تدخل كسهام مسمومة إلى كل جوارحك .. تنكسر عينه أكسر .. و لكنه مصر ببسالة على إستكمال حديثه

ـ " هناك أشياء تحدث أثرا .. تحقق نتيجة .. رعاية الأسرة هى أعلى مرتبة فى الجهاد .. أن أكفى بيتى .. أنا لا أقصد أن أحبطك .. أو أن أجعلك تتشكك فى جدوى ما نفعله .. و لكن .. أنظر لنفسك قليلا يا صاحبى .. ماذا قدمت لحياتك ؟ .. لمستقبلك ؟ "

                        

 

" عتمة الزنزانة .. و لا صدمة فى الأحبة " ..  يأتيك واحدا منهم .. تنكسر عينه أكثر فأكثر .. إستشعر أنه أخطأ .. خطأ فاحشا .. إعترف بضعفه .. بحالته التائهه فى عتمة الزمن .. بنفسه التى مزقتها زحمة الأيام .. بثوابته التى إنهارت داخله .. بهزيمته أمام الواقع الزائف .

                      

 

المزيد


أوتار باب الجروح

يناير 30th, 2007 كتبها  عبد المجيد راشد نشر في , نصوص دفتر العمر

 

        أوتار باب الجروح (1)

              " مخاطبات للنفس و الآخرين "

   

                  عبد المجيد راشد

                    يناير 1996 

 

          " إلى بعض من النفس ..

               بعض من الآخرين …"

     مفتتح

     ***

يا سبيل ..

    ضاقت العبارة .. و ارتحل الطير إلى عش آخر ..

لم يجد أمامه سوى ما تيسر من إيمان يحمله مضغة الجسد ..و ما تبقى من رمق للسير فى كنف المسافات البعيدة .. زاده الصبر .. و جراحه الصمت .. و عذاباته الشجن و الأنين .. ساعة أن بدأ المسير .. توقفت الأغنيات قليلا ، و لكن العزف على أوتار الهم ، ظل كما هو ، و بنفس الدرجة .

 

                              (1)

                          

    " وضع حقيبته المدرسية جانبا ، إلتقط حجرا واحدا .. قذف به الحاجز العسكرى .. وقف الجنود مذهولين من جرأته .. لم يقدروا فعل شيىء له .. كان وحده و الحجر و الحقيبة و الحاجز و المحتلين بعدتهم و عتادهم .. عاد فألتقط  حقيبته .. قال لهم :

ـ الأن ، أذهب إلى المدرسة و أعود إليكم فى الظهيرة .. "

 

 

                         (2)

 

    ما لها ..

لم تعد تسير كعادتها .. إنقلب الحال .. و إهتزت الثوابت .. و بانت كسيرة بعد رحلة عناد مع النفس .

                     

                       (3)

 

    " لا تقطع يقينك فى أحد "

تدور عجلة الزمن .. و تفقد فى كل وقت واحدا .. و تظل كلماته شريطا دائرا فى ذهن أيامك :

" لا تقطع يقينك فى أحد "

تدور عجلة الزمن .. تكتسب قليلا ممن فقدتهم .. و تفقد قليلا ممن كسبتهم .. و دائما لا يصمد معك أحد .. " فلا تقطع يقينك فى أحد " ..

فقط ،" إقطع يقينك بثبات يقين الأخرين " .. و لا تك دائما " ضميرا " .. فالمرء يسعد بنفسه و لو على خطأ .. و قلة من القليلين من يراجعون أنفسهم .. و يكتشفون إهتزاز يقينهم أو إرتكابهم أخطاء ..أو ربما جرائم .

 

                        (4)

 

    إقترب من الثامنة و العشرين فى دفتر العمر .. القلب مثقل بالأحزان و الهموم .. و الروح ممتلئة بالجروح .. خطوات ما هو قادم فى دفتر الوجود بطيئة .. الواقع أثقل من أن تزيح جبال شره و صخور ظلمه و تلال فساده و أبجديات يأسه مجرد القبض على جمرة الحلم ، و التمسك بالأمل و الصمود و القتال حتى آخر وحدة من وحدات الروح ، و آخر قطرة من الدم .

 

                              (5)

 

     ذهبت إلى حيث لا أحد .. أفتش عن نفسى .. أبحث عنها فى رائحة جميلة من بستان ما .. فى وقفة صمود و صلابة فى موقف ما .. فى نجدة أناس ما .. فى توجيه و تربية عقول ما .. فى التعبير عن أشياء ما .. و ما وجدتها .

           

   (6)

 

   سألتها : هل تحبيننى حقا ؟!

   أجابت : أحبك كاليقين

و على مدار ثلاثة من سنوات العمر .. إنهار الإتحاد السوفيتى .. إشتعلت الحرب العالمية الثالثة مفتتحة بالعراق .. إستسلم ياسر عرفات فى مدريد ووقع بعدها أوسلوا (1) ..

و لم يعد هناك يقين

 

                             (7)

 

    قليلا من الزاد يا إمرأة الخال ..

المسافات ما زالت بعيدة .. و لم يعد فى الوقت متسع للتفاهم .. و ما عاد فى الأرض متسع للحالمين .. ضاق الحال .. و تعبت الروح من سجنها فى جسد عليل .

ما معنى أن نظل نحلم يا إمرأة الخال ؟

النيران تلتهم ما تبقى من روح

و المسافات تضعف ما تبقى من إرادة

والأرض لا تظهر غير وجهها المتعب المثقل بالجراح

الأرض تبكى عرضها المنتهك .. يضرب الأعداء صباحا ومساءا خدها الجميل السابح فى جذور الزمن

لم تعد الأرض تمنحنى إبتسامة الصباح و تحيته الندية

أقبلها .. فتأبى بحزم .. و تقول :

 ـ طهرونى أولا من الدنس .. أعيدوا لى عزتى و كرامتى و شرفى الضائع

يا إمرأة الخال ..

لم تنجح سيول الدموع فى أخذ قبلة واحدة تريحنى بعضا من الوقت .. فما بالك بالحضن الذى أصبحت أحلم به فى كل ثانية من ثوانى الحياة .

 

                               (8)

 

    أقرأ فى دفتر الشعر ..

يشدو محمود درويش شدو البلابل على لسان يوسف الصديق :

أنا يوسفٌ يا أبي.
يا أبي، إخوتي لا يحبّونني،
لا يريدونني بينهم يا أبي.
يعتدون عليّ ويرمونني بالحصى والكلام.
يريدونني أن أموت لكي يمدحوني.
وهم أوصدوا باب بيتك دوني.
وهم طردوني من الحقل.

المزيد