أوهــام العــوامة المتوحشــــة : عبد المجيد راشد

نوفمبر 14th, 2008 كتبها  عبد المجيد راشد نشر في , دراسات

 

277548

 

                       أوهام العولمة المتوحشة

                                                                    عبد المجيد راشد

 

 أوحت لنا العولمة بأن العالم الذي تشكل في التسعينيات قد أصبح عالماً بلا حدود إقتصادية، فالنظم الإقتصادية المختلفة أصبحت متقاربة ومتداخلة ومؤثرة في بعضها البعض، ولم تعد هناك حدود وفواصل فيما بينها، وان النظام الإقتصادى العالمي هو اليوم نظام واحد تحكمه أسس عالمية مشتركة، وتديره مؤسسات وشركات عالمية ذات تأثير على كل الإقتصادات المحلية، أما الأسواق التجارية والمالية العالمية فإنها  لم تعد موحدة أكثر من أي وقت آخر فحسب، بل هي خارجة عن تحكم كل دول العالم بما في ذلك أكبرها وأكثرها غنى.  

       “فالعولمة الاقتصادية” تعنى بروز تقسيم جديد للعمل للإقتصاد العالمي الذي لم يعد يخضع اليوم للرقابة التقليدية، ولم يعد يؤمن بتدخل الدول في نشاطاته، وخاصة فيما يتعلق بإنتقال السلع والخدمات ورأس المال على الصعيد العالمي، ولقد بلغ النشاط الإقتصادى العالمي مرحلة الإستقلال التام عن الدولة القومية وعن الإقتصادات الوطنية التي كانت - وإلى وقت قريب - قاعدة الإقتصاد العالمي ووحدته الأساسية، والتي تتحكم في مجمل العمليات الإنتاجية والإستثمارية على الصعيدين الداخلى والخارجى، كل ذلك كان يتم برعاية الدول وعبر تحكمها الكامل لكن هذا التحكم التقليدى للدول في النشاط الإقتصادى بدأ يتراجع في ظل عولمة الإقتصاد وبروز الشركات المعولمة (الشركات الكوكبية).

      إن إنتقال مركز الثقل الإقتصادى العالمي من الوطنى إلى العالمي ومن الدولة إلى الشركات والمؤسسات والتكتلات الإقتصادية هو جوهر العولمة الإقتصادية، فالإقتصاد العالمي ونموه وسلامته – و ليست الإقتصادات المحلية - هو محور الإهتمام العالمي، كما أن الأولوية الإقتصادية في ظل العولمة هي لحركة رأس المال والإستثمارات والموارد والسياسات والقرارات على الصعيد العالمي، وليس على الصعيد المحلى، والعولمة الإقتصادية تستجيب لقرارات المؤسسات العالمية ولإحتياجات التكتلات التجارية ومتطلبات الشركات العابرة للقارات أكثر من إستجابتها لمتطلبات الإقتصادات الوطنية التي أخذت تذوب في الإقتصاد العالمي، وكذلك تصبح كيفية إدارة الإقتصاد العالمي أكثر أهمية من كيفية إدارة الإقتصادات المحلية، لذلك تشكل العولمة الإقتصادية نقلة نوعية في التاريخ الإقتصادى العالمي، ليس على صعيد ربط الإقتصادات المختلفة، والتي هي الآن أكثر إرتباطاً، أو على صعيد حجم التجارة العالمية، الذي تجاوز كل الأرقام الإقتصادية، أو على نطاق الإستثمارات الخارجية التي بلغت مستويات غير معهودة، بل على صعيد إعادة تأسيس قواعد ومؤسسات وبنية هذا النظام.  

      إن إحدى سمات العولمة هي إنتصار إقتصاد الليبرالية الجديدة داخل دائرة صنع القرار بالدولة ، وعلى الرغم من أنها صيغت من منظور حملات حكومتى تاتشر وريجان على دولة الرعاية الإجتماعية في المركز ، إلا أن تأثير هذه النقلة الأيديولوجية كان أكثر فداحة بالنسبة لدول الأطراف حيث إنطوت عمليات الخفض في إعتمادات الدعم المحدودة الموجودة على نتائج كارثية بالنسبة لملايين الناس وفى ظل الديون الضخمة، وجهاز الدولة الذي يستشرى فيه الفساد وإنتهاء مسيرة النمو الإقتصادى ذات المعدلات العالية في السبعينيات والثمانينيات ، وجدت أغلب دول الأطراف نفسها في مأزق صعب، وكان العقاب على هذا الإخفاق هو “الإصلاح الهيكلى” بوصفه شرطاً ضرورياً للحصول على مساعدات صندوق النقد الدولي ، فيأتى فريق من خبراء الصندوق ليزور البلد الطالب للقرض ويقوم بتقدير المطلوب عمله، ثم يجعل البلد ينفذ سياسته “النيوليبرالية” من حيث أن الإقتصاد المحلى يصبح مفتوحاً أمام السوق العالمية، وتباع الأصول المملوكة للدولة من أجل جذب رأس المال “الخصخصة” وتخفيض ميزانية الدولة بتخفيض الإعتمادات المخص

المزيد


مشاهــــــد مـــن نضــــال القضــــاء المصـــــــرى

أكتوبر 24th, 2008 كتبها  عبد المجيد راشد نشر في , دراسات

122487

 

مشاهد من نضال القضاء المصرى

عبد المجيد راشد

 

 

تموج في مصر منذ  مؤتمر العدالة الأول فى العام 1984 بطرق و أساليب مختلفة  مواجهات بين السلطة القضائية و النظام الحاكم فى مصر ، و اتخذت فى السنتين الفائتتين أشكالاً متنوعة ، وصلت إلى ذروتها فى سلسلة من الجمعيات العمومية لنادى قضاة مصر و ما تمخضت عنه من تتابع حلقات النضال من أجل استقلال القضاة و تمسكهم بقانون استقلال السلطة القضائية كما وضعه ناديهم عبر أوسع مشاركة من قضاة مصر الأجلاء فى صياغته عبر سنوات .، ووصلت حدة الشقاق بين القضاة والحكومة إلى مستوى لم تشهده مصر منذ عقود طويلة . و نتناول فى هذه الورقة مشاهد من نضال القضاء المصرى الشامخ .

 

 مشهد أول :  

                                           السياق التاريخى

إذا أردنا أن نرسم الملامح العامة والسياق التاريخي لموقع مؤسسة السلطة القضائية في النظام المؤسس لدولة مصر الحديثة، يجب أن نبدأ بالنشأة. فقد بدأ إنشاء المحاكم الاهلية في النظام الحديث بمصر عام 1882. وقد بدأ النظام الجديد للمحاكم الأهلية بداية متواضعة مع تقنينات أخذت بالأساس من التشريعات الأوروبية. لكن نظام المحاكم الأهلية نما بسرعة نسبية، وما أسرع في إنمائه أنه ظهر في بيئة ثقافية وحضارية تعطي للتعليم والقضاء والتشريع نوعاً من التوقير والقداسة تنحدر من الثقافة الإسلامية السائدة، حتى لدى من يصدرون عن مرجعية مدنية. ونحن نذكر كثرة اطراد الحديث على الألسنة في الأجيال السابقة عن إسباغ وصف القداسة على قاعة التدريس وقاعة التشريع وقاعة القضاء. في هذه الفترة وحتى ثورة 1919 لم يكن ثمة نظام دستوري حقيقي يكفل للقضاء استقلاله المؤسس. ولكن كان قدر الاستقلالية المتاحة ينبع من هذا الشكل الثقافي الذي أحاط به في العقول والقلوب، وفيما عرف القضاء من قضاة كبار مثل سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وقاسم أمين وغيرهم، ممن كان لهم أثر كبير من بعد في الحياة الثقافية والسياسية.

قامت ثورة 1919 بمصر لتحقيق الاستقلال عن الاحتلال البريطاني ولإنشاء حكم ديمقراطي يقيد سلطات الملك، ونجحت نجاحاً كبيراً، لكنه لم يكن كاملاً، إذ وضع دستور 1923 ليمثل صيغة توازن بين القوى السياسية والاجتماعية للحركة الوطنية الديمقراطية وبين القوى المستندة الى الاحتلال والملك. ونص الدستور على استقلال السلطة القضائية، وصار الحكم يتداول بين هذه القوى لمدة ثلاثين سنة تلت. وعلى طول هذه المدة أجريت عشرة انتخابات للمجلس النيابي (البرلمان)، وشكلت وزارات تتداول الحكم، كان متوسط عمر الواحدة منها لا يجاوز عشرة أشهر، وأطول عمر لوزارة واحدة نحو سنتين ونصف.

وكان القضاء المصري ساعتها يكسب استقلاله من ذلك الاحتضان الثقافي السابق ومما أرسته شخصيات كبيرة من تقاليد، ثم زاد من ذلك هذا التوازن السياسي بين المؤسسات الأساسية التي عرفتها البلاد بعد ثورة 1919. فمثلاً كانت لوزارة العدل (الحقانية سابقاً) سلطات في تعيين القضاة ونقلهم وغير ذلك، ولم يصدر «قانون استقلال القضاء» إلا في سنة 1943، ولكن وزارة العدل تداول على رئاستها 38 وزيراً في ثلاثين سنة، بمتوسط أقل من عام لكل وزير. وكان من يعين وزيراً للعدل عادة إما من القضاة السابقين الذين يشعرون بسابق انتمائهم إلى القضاء، وإما من المحامين الحزبيين الكبار ممن يدركون جيداً أنه لن يمضي عام أو عامان إلا ويكونون وقوفاً أمام المحاكم يدافعون عن حريات أحزابهم وحقوق ذويهم. ومما له دلالته هنا أن من أصدر قانون استقلال القضاء سنة 1943 كان محامياً لم يتول القضاء قط وكان أميناً عاماً لحزب الوفد هو محمد صبري أبو علم.

كان دور القضاء في هذه المرحلة أن يساهم في حفظ التوازن بين القوى الاجتماعية والمتباينة في قضايا الحريات والحقوق العامة، وذلك فضلاً عن تسيير شؤون الناس في معاملاتهم اليومية. وكان الغالب من أحكام المحاكم أن ينتصر للشرعية والديمقراطية والحريات والحقوق العامة في تفسيره وتطبيقه للقانون. وفي الأربعينيات اكتمل لسلطان القضاء المصري شموله بإصدار قانون استقلاله، وبإنشاء «مجلس الدولة» الذي أخضع قرارات الحكومة وسلطاتها للرقابة القضائية لأول مرة، وكذلك بإلغاء المحاكم المختلطة التي كانت تحكم في قضايا الأجانب. وفي الأربعينيات أيضاً احتدم الصراع الوطني الديمقراطي، ونحن نلحظ أن القضاء، بحسه عن العدالة ومن موقف الاستقلال وبإيمانه برسالته، كان الغالب من أحكامه في قضايا الصحافة والنشر الحكم بالبراءة، كما كان الكثير من أحكامه في قضايا الاغتيالات السياسية خلال الاحتلال الانجليزي الحكم بغير الإعدام، بمراعاة ما اعتبره ظروفاً مخففة مراعاة لأن الدافع السياسي يميز مرتكب الجريمة عن مجرمي السرقة وما شابه، نلحظ ذلك في قضية قتل المستشار أحمد الخازندار 1948 رئيس محكمة الجنايات انذاك، وقضية مقتل أمين عثمان 1946 الذي كان وزيراً للمالية في وزارة الوفد السابقة، وقضية تفجير سينما مترو وغيرها. كما أن مجلس الدولة كان يصدر أحكامه بإلغاء قرارات مصادرة الصحف وقرارات اعتقال السياسيين وغيرها. وجرى ذلك بغير اشتغال بالسياسة، وبالالتزام الصارم بالأطر القانونية ومناهج التفسير الفقهي وضوابط تحقيق الوقائع.

لقد تمتع القضاء في مصر منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين بهيبة واحترام وتوقير لدى الرأي العام المصري بكل طوائفه حتى قبل أن توجد قوانين منظمة للسلطة القضائية ولذلك أسباب تاريخية واجتماعية. فقد نشأ القضاء الحديث في مصر في أعقاب الاحتلال البريطاني مباشرة وقبل الاحتلال كانت المحاكم الشرعية هى محاكم القانون العام أو هي صاحبة الولاية العامة وكانت تحكم بمقتضى مجلة الأحكام العدلية الصادرة في ظل الدولة العثمانية والتي كانت تعتمد على أرجح الآراء في مذهب الإمام أبى حنيفة النعمان. وظل الحال على هذا النحو إلى أن صدر دستور 1923 ونص صراحة على استقلال القضاء وعلى أنه لا يجوز لأي سلطة التدخل في عمل القضاة. وأحال الدستور إلى القانون العادي لكي يُنظَم الأمر كله. ولكن ذلك القانون الذي نص عليه الدستور عام 1923 تأخر أكثر من عشرين عاماً إلى أن صدر أول قانون للسلطة القضائية في عهد حكومة الوفد التي شكلت بداية 1942. وعندما كان مصطفى النحاس باشا رئيساً للوزراء وصبري أبو علم باشا وزيراً للعدل. وهذا القانون هو أول قانون يضع أحكاماً تفصيلية لتنظيم مرفق القضاء ولضمان قدر كبير من استقلال رجال القضاء. ولكن وكما قدمنا كان القضاء الأهلي ـ أسوة بالقضاء المختلط ـ يتمتع في الواقع العملي وبغير نصوص بقدر كبير من الاحترام والتوقير والاستقلال. وقد أدى إنشاء محكمة النقض والإبرام عام 1930 وتعيين عبد العزيز باشا فهمي رئيساً لها إلى مزيد من هيبة رجال القضاء واستقلالهم. والحقيقة هي أن هذه الفترة شهدت كثيراً من الأحكام القضائية التاريخية التي أرست العديد من أصول الحريات ووضعت جذور مبدأ المشروعية الذي هو إحدى دعامات سيادة القانون في الدولة الحديثة. وبعد أن صدر قانون السلطة القضائية الأول عام 1943 شعر القضاة بمزيد من الطمأنينة والاستقلال عن السلطة التنفيذية ووضع كادر خاص لمرتباتهم ميزهم عن غيرهم من موظفي الدولة بشكل واضح. وقد يحسن هنا أن نذكر حادثتين لهما دلالة على أوضاع السلطة القضائية في الفترة التي نتحدث عنها، واحدة من هذه الأحداث وقعت في أوائل الثلاثينيات عقب إنشاء محكمة النقض والأخرى وقعت بعد صدور قانون السلطة القضائية الأول. أما الحادثة الأولى فكان بطلها عبد العزيز فهمي باشا، إذ فوجئ وهو في سيارته متجهاً إلى محكمة النقض يقرأ الجرائد، بأحد أعضاء مجلس النواب يسأل عن مرتب رئيس محكمة النقض وكيف يتساوى مع مرتب الوزير، وما إن قرأ عبد العزيز فهمي هذا الخبر حتى قال لسائقه لا تذهب إلى المحكمة واذهب بنا إلى قصر عابدين وطلب مقابلة الملك، ولما قابله رئيس الديوان الملكي أخبره عبد العزيز فهمي أنه يريد أن يقدم استقالته لأنه اعتبر السؤال عن مرتبه من عضو البرلمان تدخلاً في السلطة القضائية. والحادث الآخر الذي وقع بعد أول قانون للسلطة القضائية تمثل في أن وزير العدل آنذاك زار محكمة استئناف أسيوط ووجد العمل منتظماً كأحسن ما يكون، فلما عاد إلى القاهرة كتب خطاباً لرئيس المحكمة يعبر فيه عن شكره له ولمستشاري المحكمة فما كان من رئيس المحكمة إلا أن رد للوزير خطابه قائلاً أرجو أن تقبل اعتذاري عن عدم قبول خطابكم لأن الذي يملك الشكر يملك اللوم، ووزير العدل لا يملك لوم القضاة. إلى هذا المدى الرفيع وصل قضاة مصر في يوم من الأيام .

 و عندما قامت ثورة 23 يوليو (تموز) 1952،   شكلت نظام حكم على هذه الصورة من طرفيها. وصارت هي «القوة السياسية الوحيدة»، وأنشأت تنظيماً سياسياً وحيداً وجمعت سلطات التغيير والتشريع كلها، واتبعت سياسات وطنية وتنموية وذات طابع يراعي العدالة الاجتماعية في التوزيع و انطلقت فى بلورة المشروع الوطنى كجزء من المشروع القومى و هنا بالذات ينبغى النظر لعلاقة الثورة بالقضاء من منظور أن القضاء جزء من مشروع الأمة و ركن أساسى من أركان الدولة ، و فى هذا الإطار فإن أغلب الملاحظات التى تناولها الكتاب ، كانت تدور فى فلك الإجابة على سؤال كيف يصبح القضاء مستقلاً استقلالاً كاملاً فى ظل أوضاع استثنائية و هى الأوضاع المصاحبة دائماً للثورات التى انطلقت بالتحديد من الجيش ؟ . خاصة و أن الثورة قامت لتغير أوضاع المجتمع تغييراً جذرياً  . وبالنسبة للقضاء فى ظل الثورة ، فإنه باستثناء بعض إجراءات اتخذها مجلس الدولة ومنها اخراج الدكتور عبد الرازق السنهوري من رئاسته، واهتمام الحكومة بتعيين من يتولى منصب النائب العام، باستثناء هذين الأمرين، لم تتدخل الحكومة في صيا

المزيد


نقاط مضيئة فى تاريخ التنمية (ج 1)

مارس 7th, 2008 كتبها  عبد المجيد راشد نشر في , دراسات

 

نقاط مضيئة فى تاريخ التنمية (1)

                          دراسة : عبد المجيد راشد

 

حظيت التنمية باهتمام كثير من المفكرين و الفقهاء المسلمين ، الذين اظهروا انها ليست عملية انتاج فحسب  ، و إنما هى عملية كفاية فى الانتاج مصحوبة بعدالة فى التوزيع ، و أنها ليست عملية مادية فقط ، و انما هى عملية انسانية تهدف الى تنمية الفرد و تقدمه فى المجالين المادى و الروحى . ان النصوص الشرعية التى تقرر هده الحقائق و ما يتعلق بها كثيرة نذكر منها :

" هو أنشأكم فى الأرض و استعمركم فيها "[1] أى جعلكم سكانها و عمارها .

" و لقد مكناكم فى الأرض و جعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون "[2]

" هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها و كلوا من رزقه و إليه النشور "[3]

" وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه "[4]

و ينظر الاسلام الى الحياة الانسانية على اساس ان المجتمع يتكون من افراد لهم صفاتهم الفردية  ، و علاقاتهم الاجتماعية  ، فكانت عنايته بكل من المصالح الفردية و الجماعية  ، وفق نسق خاص يجمع بينهما و يحرص عليهما ما دام ذلك ممكنا ، إلا إذا تعارضتا فتقدم المصالح الجماعية أو العامة لأنها أولى بالإهتمام و الرعاية .

و المصالح سواء كانت فردية ام جماعية تتحقق بإشباع الحاجات و تلبية المتطلبات اللازمة لإقامة مجتمع انسانى راشد تتمثل فيه عمارة الأرض .

و هذه الحاجات على نوعين :ـ

1ـ حاجات فردية : هى التى تضمن للإنسان حياته و كرامته و قدرته على الاستمرار فى عمارة الأرض و هى الطعام و الشراب و اللباس و السكن و الأمن .

2ـ حاجات عامة : هى التى تسهم فى قيام مجتمع قوى من جميع النواحى الصحية و الثقافية و التربوية و الاجتماعية و الإقتصادية و العسكرية ليؤدى دوره فى هذه الحياة .[5]

و الاسلام إذ يعترف بالحاجات الفردية و العامة و يضع من القواعد ما يحقق إشباعها ، فإنه لا يترك هذه الحاجات دون توجيه و تهذيب يكفل خير الانسان و تقدم المجتمع ، بحيث تتم العملية وفق معايير اخلاقية انسانية تبعدها عن كل مظاهر الجشع و التكالب المادى ، و تصونها من مظاهر التبذير و الإسراف ، و يتحقق ذلك بتصنيف هذه المصالح و ترتيبها و تحديد أولوياتها ، و رسم الخطط التنموية عن فهم ووعى لمتطلبات الفرد و المجتمع [6].

    و تطبيقا لذلك فقد جاء فى كتاب على بن أبى طالب رضى الله عنه الى واليه فى مصر قوله :

" و ليكن نظرك فى عمارة الأرض أبلغ من نظرك فى إستجلاب الخراج ، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة و من طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد و أهلك العباد "[7]

و تجسيدا لهذا الفهم ، فقد وصف أحدهم حالة الرعية فى أيام الخليفة عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه فقال :

" تركت المدينة و الظالم فيها مقهور ، و المظلوم منصور ، و الغنى موفور، و العائل مجبور ".

و كتب عمر بن عبد العزيز إلى أحد ولاته يقول :

" و انظر الخراب فإن أطاق شيئا فخذ منه ما أطاق ، و أصلحه حتى يعمر " .

و يقول عمر بن عبد العزيز : " لا بد للمرءمن مسكن يسكنه ، و خادم يكفيه مهنته ، و فرس يجاهد عليه عدوه ، و من أن يكون له الأثاث فى بيته "[8]

    لقد قرر الفقهاء المسلمون أن سد حاجات الناس هى من فروض الكفاية التى يجب على مجموع المسلمين القيام بها . فإذا قام بها بعضهم سقطت عن الباقى ، و إلا فيأثم جميع القادرين على آدائها .

   و من زاوية أخرى ، فإن شرط  إقامة الحد أو تطبيق القوانين على الناس فى المفهوم الإسلامى  ، هو تحقيق الكفاية لهم ، فإن لم توجد تتوقف الحدود ، و تتعطل القوانين حتى تكتفى الحاجات و ذلك بإيجاد الإستثمارات و تأمين العمل .

     و تجسيدا لذلك المفهوم فقد سأل عمر بن الخطاب رضى الله عنه أحد ولاته : " ماذا تفعل لو جاءك سارق ، فقال الوالى : أقطع يده . قال عمر : و إذن فإن جاءنى منهم جائع أو متعطل ، فسوف أقطع يدك . إن الله سبحانه و تعالى استخلفنا على عباده لنسد جوعتهم ، و نستر عورتهم ، و نوفر لهم حرفتهم ، فإذا أعطيناهم هذه النعم تقاضيناهم شكرها ، يا هذا !!! إن الله خلق الأيدى لتعمل ، فإن لم تجد فى الطاعة عملا إلتمست فى المعصية أعمالا ، فأشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية " .[9]

    و إذا كان مفهوم التنمية الإقتصادية يعنى  ـ ضمن ما يعنيه ـ توفير الفائض و استخدامه فى زيادة قدرات المجتمع الإنتاجية ،بعيدا عن الترف و التبذير ، فإن الشريعة الاسلامية نبهت الى عدم الإسراف  ، و دعت إلى صرف الفضل أو ما زاد عن الحاجة أو الكفاية فى مصالح المجتمع و تنميته  .. " و آت ذا القربى حقه و المسكين و ابن السبيل و لا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين و كان الشيطان لربه كفورا " [10]

و يقول الرسول صلى الله عليه و سلم :

" ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له ". [11] 

و إذا لم يكن للمحتاج قريب غنى تجب نفقته فإن إشباع حاجاته تقوم بها الدولة . يقول الرسول صلى الله عليه و سلم : " من ترك مالا فلورثته ، و من ترك كلاّ فإلينا " .[12]

   و يقول أيضا : " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفى المؤمنين و ترك دينا فعلىّ قضاؤه و من ترك مالا فلورثته " .[13]

    لقد شملت عدالة الإسلام تأمين الكفاية للمسلمين و لغير المسلمين من أهل الذمة وممن يقيم فى دار الهجرة و فى دار الإسلام . و تطبيقا لذلك فقد كتب عمر بن عبد العزيز الى عامله على البصرة :" و انظر من قبلك من أهل الذمة ، قد كبرت سنه ، و ضعفت قوته ، وولت عنه المكاسب ، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه .. و ذلك أنه بلغنى أن أمير المؤمنين عمر مرّ بشيخ من أهل الذمة يسأل على ابواب الناس فقال ك ما انصفناك إن كنا قد اخذنا منك الجزية فى شبيبتك و ضيعناك فى كبرك ، قال : ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه " . [14]

المزيد


فى ذكرى العيد الخمسينى للوحدة : نعيد نشر نقاط على حروف الحركة العربية الواحدة

فبراير 22nd, 2008 كتبها  عبد المجيد راشد نشر في , دراسات

      نقاط على حروف الحركة العربية الواحدة

           عبد المجيد راشد

1 ـ  مفتتح :

قيمة التاريخ العظمى .. ليست فى تتابع أحداثه .. و مقدرتنا على سرد مشاهده و مراحله و تراكماته .. قيمة التاريخ العظمى تكمن فى قدرتنا على تأمله و إعمال بصيرتنا فى حركته و الإستلهام من دروسه ما يعيننا على تجاوز أخطاء البشر ، رموز و قوى و أفراد ، و التى أثرت سلبا فى مجراه العام من المنطلقات و الى الغايات .. و قدرتنا على رصد النقاط الجوهرية الرئيسة فى ذروة الانتصارات المجسدة على أرض جغرافيا الأمة .

2 ـ   بعض المشاهد :

مشهد الأمة الآن تجاوز ذروة الدراما فى مسلسل حركتها فى التاريخ الحديث ..هو مشهد التيه و الضياع فى صحراء العولمة المتوحشة و مشروع التفيت الطائفى القائم أساسا على تقسيم المقسم و تجزئة المجزأ ، و هو بالطبع ، أخر حلقة تم إنتاجها فى فندق الفيرمونت بولاية سياتل الأمريكية ، و المقر الدائم لقادة العولمة المتوحشة المتغطرسة المتسلحة بشتى أنواع الأسلحة ، من السيطرة على الاقتصاد ، الى الهيمنة على التكنولوجيا عسكرية كانت أو معلوماتية أو استهلاكية ، مرورا بهيمنة على مؤسسات السيطرة المالية و الاعلامية و الثقافية و الاجتماعية و السياسية .

مشهد الأمة الآن ليس وليد اللحظة الراهنة .. و لكنه الحلقة الراهنة من سيناريو الصراع بين الأمة فى تاريخها الممتد ، و بين مشاريع إقليمية حينا  ، و الغرب فى كل الأحايين .. سبقته حلقات متنوعة فى الأدوار و الممثلين و النص .. من الهكسوس و الحيثيين ، مرورا بالروم و الفرس و التتر و المغول و الترك ، وصولا الى الفرنجة بحروبهم الصليبية ، و الفرنسيس  و الانجليز بحملاتهم ، و خروج الغرب من حروبه الأهلية و صراعاته الثانوية بالتوحد فى الهدف المشترك ، الأ وهو أمتنا العربية .. ليست فقط فى ذاتها ، و ان كان هذا صحيح ، و لكن أيضا بإعتبارها قلب الدائرة الاسلامية ، من آسيا و أفريقيا ، و ذات مجد و تاريخ حضارى عربى إسلامى ، و نقاط مضيئة فى مسيرة التاريخ الانسانى .. و هيمنة حضارية امتدت قرون عدة ، و فى قلب أوربا ، فى عصور انحطاطها و ظلامها ، بثمانى قرون فى الأندلس ، نقلتها من طور متخاف مظلم جاهلى ، إلى طور حضارى مبصر متنور متمدن .

وكان طبيعيا أن تكون مصر " الموقع و الموضع " ، اقدر على التجدد الذاتي، ليس فقط بسبب مزايا الجغرافيا والعمق التاريخي الثقافي الممتد عشرات القرون، ولكن أيضا بسبب تزايد كثافة دورها القيادي على مسرح المنطقة بعد تداعى ادوار دمشق وبغداد وتعثر الآستانة، كانت مصر هي التي هزمت حملات أوروبا باسم الصليب التي استمرت مائتي عام، ومصر هي التي ردت بقيادة قطز وبيبرس حملات المغول التي اجتاحت بغداد وأنهت حكم العباسيين، ونقل مماليك مصر إلى القاهرة نوعا من الخلافة الاسمية للعباسيين بدأت بالمستنصر "1361" وانتهت بعزل المتوكل الثالث "1517" على يد السلطان العثماني سليم الأول، ورغم تحولها إلى جزء من الخلافة العثمانية، فقد حافظت على استقلالها التقليدي المستقر منذ دولة احمد بن طولون "835 – 884" ودعم دور مصر أن خلافة الآستانة راحت تترنح أمام ضربات أوروبا بنهضتها البازغة، وبدأت اكبر هزائم العثمانيين اثر محاولتهم احتلال فيينا عام "1683" ونجح الحلف الصليبي الأوروبي في فرض معاهدة "كوشوك" في ابريل 1774 على السلطان عبد الحميد الأول، بعدها فرضت الحماية الأوروبية على المسيحيين في رعايا الدولة العثمانية.

وكانت أوروبا تحاول فتح أبواب مصر لنفوذها خصوصا الاقتصادي منذ القرن السادس عشر وكان ممثلو فرنسا في القاهرة والآستانة يقترحون احتلالها منذ أوائل القرن الثامن عشر، بل أن النمسا كانت تفكر في الاستيلاء على مصر من قبل ذلك.

ففكرة غزو مصر أقدم كثيرا من نابليون في عهد حكومة الديريكتوار، وتعود إلى منتصف القرن السابع عشر وهي أيضا ليست فرنسية فقط، لأن هناك مشروعا آخر روسيا ومشروعا يونانيا، كان دافعهما هو الصراع العنيف مع الإمبراطورية العثمانية، وكانت فكرة غزو مصر هي الحل الاستراتيجي في تلك المشاريع جميعا، لأن ضرب تركيا في مصر هو المفتاح الاستراتيجي السحري، لأن القاهرة في النهاية ستكون الموئل الأخير لو تراجعت تركيا من اسطنبول.

وسوف نجد الرحالة الفرنسي الأب كوبان في كتابه عن " الحروب الصليبية" يدعو إلى نفس الفكرة في منتصف القرن السابع عشر، كما نجدها في مقترحات بعض القناصل الفرنسيين في البلاط العثماني بالآستانة مثل دنيس دي هاى والماركيز دي فوانثيل وجير رواق، ولكن اخطر هذه المشاريع مختلفة المصادر كان هذا المشروع الذي قدمه المفكر الألماني ليبينيز وظل يلح به في مذكراته وخطاباته، وكانت أهم هذه المذكرات تلك الوثيقة التي كتبها باللاتينية مرة وبالفرنسية مرة، ملخصة مرة وضافية أخرى، ففي هذا المشروع يتحول ليبينيز من مفكر يدعو إلى التوفيق بين الأرثوذكسية والكاثوليكية، وبين أرسطو وديكارت، إلى داعية أهوج لفكرة عسكرية جعلته يعكف على دراسة مبررات الحملة وظروفها السياسية والاجتماعية، بل ودراسة الشواطئ المصرية والمسافة بين فرنسا ومصر وسهولة الانتقال بالبحر ومدة الانتقال وعدد التحصينات، وغير ذلك من عوامل "تقدير الموقف" التي يعكف عليها العسكريون بالضرورة.   وقد كتب هذا المشروع الفيلسوف الألماني ليبينيز عام 1672 وأرسله إلى الملك لويس الرابع عشر أقوى ملوك أوروبا و"الملك الشمس" كما كان يوصف وفيه يدعو ألفيلسوف الملك أن يكف عن حروبه الأوروبية مع المسيحية في أوروبا فيعبر البحر إلى مصر، لأن الاستيلاء على مصر سوف يوقف المد العثماني الإسلامي وسط أوروبا ولأن تركيا العثمانية تهدد بولندا والمجر والنمسا.

وقبل ذلك كانت أوروبا الاستعمارية قد حققت نجاحاتها الأولى باكتشاف الأمريكتين عام 1493، وسقطت غرناطة في يد فرديناند وإيزابيلا، اللذان مولا في العام نفسه رحلة كريستوفر كولومبس التي انتهت باكتشاف أمريكا، ثم تمت لها السيطرة على الشرق الأقصى بعد اكتشاف طريق راس الرجاء الصالح، ثم نجحت أوروبا في تقليم أظافر القوة العثمانية، بعدها اتجهت أوروبا الاستعمارية بميراثها الصليبي لاحتواء القلب العربي الإسلامي، وكانت حملة نابليون طليعة الزحف، ورغم أن المقاومة البطولية للشعب المصري نجحت في صد الحملة ألفرنسية ثم الحملة الإنجليزية بعدها، إلا أن اثر الحملة ألفرنسية بالذات ظل باقيا يدغدغ الخيال النهضوي في مصر، فقد جاءت الحملة الفرنسية ومعها لمحات عن العلوم الحديثة التي طورتها الحضارة الأوروبية "نقلا وإضافة للإبداع الحضاري العربي الإسلامي" وجاءت معها بالأساتذة الكبار الذين قاموا بدراسة أحوال مصر والكشف عن أسرار تاريخها القديم.

وكان ذلك تحديا استفز استجابة تقابله، وقال الشيخ حسن العطار : "أن بلادنا لابد أن تتغير، ويتجدد فيها من العلوم والمعارف ما ليس فيها" وجاءت تجربة محمد على لتضع أمنية شيخ النهضة في الممارسة والتطبيق.

 

و تدور عجلة التاريخ ، ليتوحدوا فى مواجهة مشروع اليقظة الأول فى عصرنا الحديث ، بعد وراثة محمد على الفعلية و العملية و الواقعية لإمبراطورية الرجل المريض ،فقد كان محمد علي باشا - إذن- صاحب مشروع سياسي نهضوي يهدف في المقام الأول إلى بناء قاعدة عسكرية وسياسية حديثة ذات شأن تقي المشرق العربي عدوان الغرب لا عن طريق المواجهة وإنما عن طريق التزود بأسباب المنعة والقوة التي تحقق نوعا من توازن القوى مع الغرب وتجعل الأخير يتعامل مع الدولة العثمانية معاملة الند للند، لذلك فقد سعى إلى أن يقيم في مصر "دولة نموذجية" حديثة توفر له فرصة إقامة دولة إسلامية قوية من خلال تطبيق نموذج مصر على الدولة العثمانية ذاتها، فقد صرح يوما لبعض خلصائه برغبته في الوصول إلى الآستانة، وخلع السلطان وتولية ابنه الصبي وتنصيب نفسه وصيا عليه لتتاح له فرصة إصلاح الدولة كلها، وهكذا كانت مصر - عند محمد علي- قاعدة انطلاق لمشروع سياسي إقليمي يعتمد على بناء قوة عسكرية كبيرة حديثة، وبناء مثل هذه القوة يحتاج إلى موارد مالية ضخمة تقصر دونها خزانة والى مصر التي كانت تعتمد على الخراج والمكوس، ولا يستطيع محمد علي أن ينشد تلك الموارد من مصادر خارجية كالآستانة مثلا، فقد جعله الحرص على إستقلال قراره السياسي ينفر من فكره الإستدانة ويرفضها عندما عرضت عليه في العقد الأخير من حكمه، فلا مفر أمامه من أن يدبر الموارد اللازمة لمشروعه السياسي من مصر ذاتها وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا إذا إستطاعت "الدولة" أن تضع يدها على موارد البلاد كلها، تديرها وتنميها بالقدر الذي يوفر الأموال اللازمة لبناء القوة العسكرية الحديثة، بما تتطلبه تلك القوة من مؤسسات إنتاجية وخدمية، ومن ثم كانت السياسات الإقتصادية التي نفّذها محمد علي - تدريجيا- وإنتهت بوضع الإقتصاد تحت إدارة السلطة المركزية وتعبئة الموارد لخدمة المشروع السياسي الإقليمي وإدخال تغييرات هيكلية على النظام الإداري وما إرتبط بذلك من تطور في التعليم، . وعلى الرغم من أن السبب المباشر لإنهيار تجربة محمد علي الرائدة كان التدخل الجماعي للدول الأوربية، وهزيمته العسكرية فى الحرب معها، أي الظروف الخارجية، فان السبب العميق الجذور لهذا الإخفاق يكمن في الظروف الداخلية، وفشل محمد علي في تشكيل "كتلة تاريخية" من كل القوى والفئات الاج

المزيد


مستقبل سياسة الاصلاح الاقتصادى بمصر

يونيو 21st, 2007 كتبها  عبد المجيد راشد نشر في , دراسات

 قراءة فى أوراق مصر 2020

مستقبل سياسة "الإصلاح الاقتصادى" بمصر

فى ظل نظام العولمة

     عبد المجيد راشد

فى كلمته أمام المؤتمر السنوى الثاني للحزب الوطنى الديمقراطى الحاكم في مصر أكد الرئيس مبارك على أن "المرحلة الجديدة التي نعيشها، وما نواجهه من تحديات ومتغيرات محلية وإقليمية ودولية، لا تتطلب فقط تعزيز المشاركة المجتمعية، وإنما تقتضى أيضاً تحولاً جوهرياً في إعادة توصيف دور الدولة، في مقابل دور المواطن والمجتمع وكياناته المختلفة، إجتماعية كانت أو سياسية أو اقتصادية، ففى المجال الاقتصادى، حددت فلسفة هذا التحول في مبادئ واضحة، أولها ألا تقتصر عملية الإنتاج أو إمتلاك الموارد على الدولة، وأن يتزايد الإعتماد على القطاع الخاص للقيام بدور متنام في إطار تضعه الدولة، وتضمن من خلاله توفير موارد متزايدة للمنتجين ليشاركوا بدورهم في دفع عجلة التنمية، وفى تحمل نصيب عادل من مسئولية البعد الاجتماعي للإصلاح، وقد طرح الحزب كذلك - بالتنسيق مع الحكومة الجديدة - خطة طموحة لتطوير السياسات المالية والنقدية، تعتمد على إعادة هيكلة القطاع المصرفى وتبنى المزيد من الإصلاحات المالية والنقدية لكى تتزامن مع الإصلاحات الضريبية والجمركية، وتعزيزاً لهذا التوجه، فقد طرحنا مؤخراً فلسفة جديدة لدفع الإستثمار، تقوم على وجود كيان مؤسسى جديد، يجمع كل الكيانات التي من شأنها العمل على زيادة الإصتثمار، وتحقيقاً لهذا الهدف، فقد فتحنا مؤخراً أبواباً إضافية، تسمح بدخول القطاع الخاص في مجالات حيوية كانت حكراً على الحكومة في مراحل سابقة، منها توليد الطاقة والإتصالات وإدارة الموانئ والمطارات، وذلك بهدف إستيعاب الموارد الإضافية التي أتاحتها - وستتيحها الإصلاحات الجمركية والضريبية، في توجه جديد - لا رجعة فيه - للإستفادة من إمكانيات القطاع الخاص سيواء في الإستثمار أو إدارة المؤسسات الحيوية ورفع مستوى الخدمات التي تقدمها، وفى هذا الإطار، فلابد من الإستمرار في تنفيذ برنامج الخصخصة، وإعتماد سياسا

المزيد


تباريــــــح سجيـــــــــن

مارس 9th, 2007 كتبها  عبد المجيد راشد نشر في , دراسات

             تباريح سجين

                         عبد المجيد راشد

           (1)

يا أيها الدمع اللى نازل

من عيون أمى الحزينة كالمطر

أناديك بقلبى

و بكل أوراق الشجر

إنك تقف

أو فلتكون زى السيوف

تنزل على رقاب الكلاب

علشان تكون

أكبر خطر

 

         (2)

السكة مفروشة بموانع

و الورد رغم القهر طالع

حالف يجيب الشمس من بطن الشوارع

يا سندباد الحلم

مشتاق لك يا خال

مستنى لما العلم يوصل للرجال

و توصله بروحك

و بسنين الوجع

 

         (3)

البسمة مكبوتة فى صدر العرقانين

و أنا كل حين

فارد جناح الذكريات ع الحلم

بارسم شعاع الشمس

لما الورد يشقيه الأنين

يا غنوة المسجون

يا فرحة المساجين

أنا من زمان

عاشق تراب بلدى الحزين

و بغنى ياما ع الوطن

و حبيبتى

أجمل قلب ساكن جوه ننى

يا حبيبتى إطمئنى

جوه قلبى خيط طويل

مهما كان البعد بينا

زى بعد الشمس عن أرض البشر

فانتى منى

و العيون السابحة فى بحور التمنى

إننا

نكتب بروحنا و دمنا

عاشت بلادنا

رغم أسوار السجون

و الموت

و أحكام السكوت

و الاغتيال

أنا لسه جوايا براكين الرجال

ولسه عاشق حلم كل المظلومين

المزيد


خلفاء محمــد علـــى

يناير 25th, 2007 كتبها  عبد المجيد راشد نشر في , دراسات

خلفــاء محمـــد علــــى

الجزء الثانى

الإقتصاد المصري من الإحتلال البريطاني إلى قيام ثورة 23 يوليو 1952

      أصدر الوالي الجديد "توفيق" مرسوما في 4 سبتمبر 1879 بإعادة نظام الرقابة الثنائية وتعيين افلن بارنج "كرومر" رقيبا على الإيرادات، ودي بلينيز رقيبا على الحسابات والدين العمومي، وبموجب مرسوم 15 نوفمبر 1879 تحولت الرقابة الثنائية إلى حكم ثنائي من جديد وأصبح من حق الرقيبين حضور جلسات مجلس النظار، كما كان على ناظر المالية أن يقدم لهما تقريرا شهريا عن إيرادات الخزانة العامة ومصروفاتها وطلب من كل إدارة أن تقدم مثل ذلك التقرير أسبوعيا ولم يكن من حق الحكومة عزل أي منهما إلا برضا حكومته، وفي هذا السياق عرض المراقبان الأجنبيان على مجلس النظار في 14 يناير 1880 إقتراحا ببيع حصة مصر المرهونة في أرباح قناة السويس 15% من أرباح الشركة سنويا، ووافق مجلس النظار وبيعت بثمن بخس "848.650 جنيه" وبهذا فقدت مصر ما تبقى لها من فائدة مادية من قناة السويس التي أنفقت عليها 16 مليون جنيه وجندت لها ما بين 50 و 60 ألف مصري سنويا لحفرها، فضلا عن وفاة ما يقرب من 120 ألف مصري في حفر القناة.  وزيادة في التدخل، ألفت الدول الاستعمارية لجنة دولية سميت "لجنة التصفية" ترأسها ريفرز ويلسون الإنجليزي وضمت مندوبى الدول في صندوق الدين بالإضافة إلى مندوب ألماني ومندوب مصري "بطرس غالى باشا" ومندوب فرنسي آخر لأن اللجنة كان بها عضوان إنجليزيان، ووضعت اللجنة قانون التصفية في 17 يوليو 1880، الذي نص على تقسيم إيرادات الحكومة المصرية إلى قسمين أحدهما خاص بالدين يحصل عليه صندوق الدين مباشرة والآخر خاص بالحكومة تحصل عليه نظارة المالية مباشرة، ووفق قانون التصفية بلغ مجموع الديون التي كان على صندوق الدين خدمتها 98.748.930 جنيها. [1]

    وبعد ذلك الإنتصار المالي والسياسي الذي أحرزته إنجلترا وفرنسا فقد إستمرا في المضي إلى المزيد من الإستغلال، فإذدادت الإستثمارات المالية وصدرت أوامر توفيق المتلاحقة بالموافقة على تكوين شركات أجنبية، وتابع النفوذ الأجنبي سيطرته في شكل بنوك لم تعد قاصرة على القاهرة والإسكندرية، بل زحفت إلى عواصم المديريات، وإنتشر المستوردون للعملات المزورة والمرابون والمستغلون من السماسرة الأجانب، وصدرت الأحكام المختلطة لصالحهم، وأمام كل ذلك كانت مصر ضعيفة، فاقدة كل شيئ، سلبت منها السلطات جميعها ليتولاها الأجانب بأنواعهم، وما عليها إلا أن تتحمل المزيد من الأثقال لتئن قواها بتلك الأعباء، وليزداد سخطها بتلك التبعات ليتجمع ذلك كله في بؤرة واحدة هي "الثــــــــــــــورة". [2]

      وقد إشتركت قوى مصر الإجتماعية في الثورة العرابية التي بدأت بمظاهرة الجيش أمام قصر عابدين في 9 سبتمبر 1881، ومن خلال ذلك كان الحكم على العمل الثوري من حيث تأثيره على القوى الأساسية في المجتمع، والذي أعطاها دفعة للمطالبة بالرغبة في إيجاد حياة أفضل تسودها العدالة التي لا تتحقق إلا بتغيير جذري يشمل الشكل السياسي والإقتصادي والإجتماعي وذلك بالإستقلال والحرية والدستور ورفع المعاناة عن الفئات الكادحة وإقصاء الظروف المادية القاسية والإطاحة بعلاقات الإنتاج القديمة، فالفلاحون قاسوا طوال عهد أسرة محمد على، بالسخرة وفرض الضرائب التي دمرتهم وأستعملت معهم كل وسائل التعذيب وعانوا من الأجانب وتسلطهم، وأصبحوا يئنون تحت وطأة أعباء الديون بعد أن سلبوا كل شئ ، والتجار والحرفيون لم يكونوا بأحسن حال منهم، فخضعوا لنفس تلك الظروف الصعبة، وأيضا المثقفون بجناحيهما المدني والعسكري تعرضوا لمساوئ المجتمع وصبوا مجهودهم في تلك المؤسسات الثقافية التي أعطتهم الفرصة للتعبير عن فكرهم، سواء عن طريق الصحافة أو الجمعيات التي كانت بمثابة تنظيمات بلورت الرأي العام، وغبن العسكريون في ظل النظام القائم، إذ وقع عليهم الجور والعسف فخلق فيهم رغبة أكيدة للإطاحة به، وأخيرا، ملاك الأراضي وعلى رأسهم كبارهم سواء كانوا من المصريين أو الأتراك المستنيرين، إنضموا للسخط السائد بعد أن نبتت مبادئ جديدة على الأرض المصرية، تضمنت ضرورة تطبيق وممارسة الحياة النيابية والقضاء على النفوذ الأجنبي الذي بلغ مداه، وكان ذلك نواه لتكوين الحزب الوطني الذي حوى العناصر المناوئة للحكم وفتح أبوابه ليضم مؤيدي الحرية، وتلتحم قوى الشعب ليعلن الجميع ضرورة الثورة على الأوضاع السائدة. [3]

        وفي الساعة السابعة من صباح يوم الثلاثاء 11 يوليو عام 1882، أعطى الأميرال سيمور إشارة الضرب، فأطلق الأسطول الإنجليزي أول قنبلة على قلاعنا المصرية في الإسكندرية، فكان ذلك إيذانا ببدء الإحتلال الإنجليزي البغيض. [4]

       وأدى الإستعمار الإنجليزي إلى تطور مشوه أحادى الجانب للإقتصاد المصري، فمنذ بداية الإحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882 سعت إنجلترا إلى تحويل مصر إلى منتج للمواد الأولية وبشكل خاص القطن لتصديره إلى مصانع النسيج الإنجليزية، ولذا إهتمت إنجلترا بتطوير نظم الري في مصر، ففي الفترة ما بين 1884 - 1902 أستكمل بناء قناطر الدلتا التي كان قد بدأ العمل فيها أثناء حكم محمد على عام 1836 وشقت ثلاث ترع ضخمة في مصر السفلى وظهر "سد أسوان" الأول، وتحولت جميع الأراضي الزراعية من أسوان حتى الإسكندرية إلى مزرعة ضخمة للقطن وإتسعت مساحة الأراضي الزراعية من 4 مليون فدان عام 1882 إلى 5.2 مليون فدان عام 1914 وتضاعفت إنتاجية المحاصيل الزراعية. [5]

وكانت خطة الإستعمار الإنجليزي بالنسبة لإقتصادنا القومي تتمثل في :-

أولا : تحطيم صناعتنا القائمة، فقد أغلق أبواب المصانع الحكومية، مصنع الورق ببولاق، دار صك النقود فأصبحت نقودنا تصك في إنجل


المزيد


خلفاء محمـــد علــــى

يناير 23rd, 2007 كتبها  عبد المجيد راشد نشر في , دراسات

خلفــاء  محمـــــد علـــــى

دراسة عبد المجيد راشد

الجزء الأول " من إبراهيم باشا الى الخديو اسماعيل "

   ***

       عمد محمد على بعد معاهدة لندن إلى تجنب النفوذ الأجنبي ووضع يده على المواصلات التي أنشأتها الشركات الإنجليزية وجعلته يتحاشى إنجلترا بفرنسا وفرنسا بإنجلترا محاولا التخلص منهما جميعا، بل إن محمد على عارض شق "قناة السويس" حتى لا يمكّن بريطانيا من السيطرة على مصر، وتكشف عن ذلك محاوراته مع القنصل الفرنسي بينيدتى، ففي مذكرة الأخير المؤرخة في أول مارس 1843، شرح لحكومته معارضة محمد على : " يرتاب في إستدعاء الأوروبيين إلى مصر ويظن أنه حالما يفتح البرزخ فسوف يتعاظم إشتهاء إنجلترا في تملك إمبراطوريته، وفي ختام الأمر فانه يرتاب في عدم كفاية قواته العسكرية للدفاع عن موضع هام للغاية، وعدم كفاية موارده المالية لتنفيذ مشروعات جديدة كبيرة ". [1]

     والواقع انه إبتداء من معاهدة لندن في 15 يوليو 1840 بين النمسا وبريطانيا العظمى وبروسيا وروسيا من ناحية وجناب الباب العالي " السلطان العثمانى " من ناحية أخرى، يدخل تاريخ المجتمع المصري في إطار الإستعمار ثم الإمبريالية، وكانت الحكومة البريطانية هي التي تحرك خيوط المؤامرة في نطاق التقارب بين إنجلترا وروسيا، و ذلك لأنهم رأوا أن إحتكارات محمد على تمثل حجر الزاوية في قوته الإقتصادية [2].. وتلك القوة يجب وضعها في الإطار العام لإنجازات محمد على، فكان التصنيع وهيمنة الدولة على مختلف النشاطات الإقتصادية - الإحتكارات - ، في خدمة الجيش الرابض على حدود الإمبراطورية من اليمن إلى السودان، ولكن الموقف تغير تماما بصدور مرسوم 13 فبراير 1841 الذي إستهدف الجيش المصري - مباشرة - فقضى بتقليصه إلى 18 ألف جندى بالإضافة إلى 2000 متدربين في تركيا.

       ولم يبق أمام محمد على بعد القضاء على الإحتكارات إلا أن يتقرب من الباب العالي بهدف إيقاف الضغط الأوروبي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن يفتح أبواب مصر للتجارة الحرة، وقد كان، ففتحت مصر أبوابها للبضائع الأوروبية وسرعان ما قلّت قدرة الصناعات المحلية على مواجهة هذه المنافسة التي لم تكن منتظرة قبل عام 1838، ولم تستطع هذه الصناعات المحلية الإستمرار بعد وفاة محمد على، وهكذا أصبح الباب مفتوحا أمام التدخل الأجنبي. [3]

       وقد سار إبنه إبراهيم الذي خلفه لفترة قصيرة " من إبريل إلى نوفمبر 1848" في نفس الطريق حتى وفاته في 10 نوفمبر عام 1848.

     وأتى عباس الأول "1849 - 1854" بعدهما، فإقتدى بذلك، وكان يؤمن بسلامة هذه السياسة، بل أنه أنقص الجيش، وأزال ما كان يقوم على هامشه من منشآت، وأقفل ما وجد من مدارس، وهدم الأسطول الذي كان يصل البلاد بالخارج/ وفرض القيود على الأجانب المقيمين، لتصبح سياسة عباس الأول في النهاية "عقلية إيقاف من نوع سلبي للتدخل الإقتصادي الأوروبي"  ، ورغم ذلك إستطاعت الدول الأوروبية زرع قناصلها في مصر كطلائع للتدخل، وفي عهده تقلص النفوذ الفرنسي وأصبحت المصالح الإنجليزية في وضع أفضل مما كانت عليه من قبل، وكان عهد عباس الأول خلوا من أعمال النهضة والعمران بإستثناء إنشاء السكة الحديد بين القاهرة والإسكندرية وإصلاح سكة السويس الحجرية. [4]

      وبعد كسر عماد إقتصاد الإكتفاء الذاتي "الإحتكار" وفرض الإنكسار في نهاية حكم محمد على وحكم إبراهيم باشا، ثم العزلة السلبية وزرع القناصل إبان حكم عباس الأول، لم يبق أمام  رأس المال الأوروبي - في مرحلة التوسع الرأسمالي - سوى غزو مصر ثم إغراقها في الديون. [5]

      ثم تولى سعيد "1854 - 1863" وكانت حرية التجارة والصناعة والمواصلات كما رآها الغرب، وكان تعاقب المهاجرين على مصر من كل صوب، ثم إقبال رؤوس الأموال الأجنبية من كل حدب، وكانت الحكومة هي المالك الوحيد المحتكر، ومن ثم كانت الأموال القادمة تطرق أبواب الحكومة بصفتها المنتج الأكبر والوحيد ، أو السلطة الوحيدة القائمة التي يستطيع أن يتجه إليها أصحاب الأموال للحصول على ما يريدونه، وإنقلب القناصل إلى سماسرة ينالون الإمتيازات لأصدقائهم أو شركائهم ويقترضون القروض ويتمون الصفقات، وتحولوا إلى أدوات للغزو المالي للإقتصاد المصري. [6]

    وتورط الوالي سعيد في مشروعات لم تكن مصر بحاجة لها، وأضخمها وأخطرها مشروعات عالمية تفوق حاجات البلاد، وتدور جميعا حول وصل مراكز الإنتاج الغربية بمنابع تموينها وأسواق إستهلاكها في أسيا وإفريقيا كسكة حديد السويس والقناة وغيرهما، فضلا عن سخاء الوالي مع مقرضيه الأجانب وإعطائه تعويضات كثيرة للمغامرين منهم الذين كانوا يستثمرون موالهم أأنىةرتنلبتاىقفتاىىتلارتاأسيتىايبأتناتتتتنتتأنمبتنىيسبثلفالفغلأموالهم في مصر على أن يعوضهم سعيد عن خسارتهم إذا أصابهم الخسارة، وأسرف في معيشته الشخصية وفي إنفاقه على الجيش في غير استعداد لحرب. [7]

      وترتب على سفه الوالي سعيد أن عانت ميزانية الدولة من عجز متوال طوال سنوات حكمه، بل أن العجز في الميزانية زاد عن إيرادات الدولة في آخر ثلاث سنوات (1861 ، 1862 ، 1862) وكانت الإيرادات 2.154.000 ، 3.707.000 ، 6.094.000 مليون جنيه، وكان العجز 3.030.000 ، 5.161.000 ، 8.301.000 مليون جنيه.[8]

      أما حجر الزاوية والذي يمثل بداية تدخل رأس المال الأوروبي في مصر ، وهو في قمة توسعه الإستعماري ، ذلك الإمتياز الذى  منحه سعيد لصديق طفولته فرديناند دي ليسبس بحفر قناة السويس في 30 نوفمبر 1854، والذي أعلن رسميا بالفرمان الصادر في 19 مايو 1855، وكان الدافع إلى ذلك هو نابليون الثالث بنفسه الذي أسرع بتحويل "شركة دراسات قناة السويس" المؤسسة في 27 نوفمبر 1846 من ثلاث مجموعات كل منها يتألف من عشرة أعضاء تمثل بريطانيا العظمى وفرنسا والنمسا إلى "هيئة إدارة الشركة العالمية لقناة السويس" المؤلفة في 30 نوفمبر 1854، "حتى يكون تكوينها من رجال الأعمال عونا لرجال الدولة في مفاوضاتهم الدبلوماسية" كما يوضح نابليون الثالث لـ" لانفنتان "، وقد أبعد هذا الاخير، سريعا، عن المشروع لصالح ديليسبس وحده الذي ما برح، منذ ذلك الحين، يضغط على سعيد للحصول على جميع الإمتيازات باسم الصداقة. [9]

       وسرعان ما خضع سعيد لديليسبس الذي كان يتمتع بالتأييد السياسي والمالي الكبير في أوروبا، ففي حين كان النص التركى للفرمان الأول يمنح ديليسبس "تصريحا خاصا" ، فقد عمد هذا الأخير إلى تغيير ذلك في النص الفرنسي إلى "سلطة قاصرة" عليه، وفي 5 يناير 1856 صدر فرمان آخر، في إنتظار تصديق الباب العالي، كانت بنوده - وهي في مجموعها تعتبر "إمتيازا" وليس "إنتدابا" - أكثر قسوة وجورا، ففي المادة العاشرة ضمن ديليسبس للشركة ملكية الأراضي الواقعة على طول القناة، وكذلك تلك الواقعة على طول قناة التغذية المتفرعة من النيل، وفي 20 يناير 1856 صدر قرار تكميلي يعطى الشركة حق إستخدام من 20 إلى 30 ألف رجل كل شهر على سبيل السخرة في أعمال القناة، والنقطة الثانية الرئيسية هي : كيف يمول شق القناة؟ وتم ذلك عن طريق طرح 400.000 سهم، قيمة كل منها 500 فرنك إشترت منها فرنسا 207.111، أما بريطانيا العظمى والنمسا وروسيا والولايات المتحدة فقد رفضت الـ 85.506 سهم التي خصصت لها، ولم تأخذ أسبانيا وهولندا إلا 3%.

      ومنذ ذلك الحين أصبح الهدف الأساسي من مناورات ديليسبس هو أن يدفع سعيد إلى قبول الـ 96.517 سهما المخصصة لتركيا، وكذلك الباقي، وعلى ذلك فان تحميل خزانة مصر 44% من رأس مال الشركة المسماة "عالمية" كان من المفروض أن تتألف من رؤوس الأموال الحرة في أوروبا، كان بمثابة دفع سعيد إلى حافة هاوية القروض والمشكلات المالية ال

المزيد


فى ذكرى إنتفاضة 18 و 19 يناير 1977

يناير 18th, 2007 كتبها  عبد المجيد راشد نشر في , دراسات

فى ذكرى إنتفاضة 18و19 يناير 1977 نعيد نشر هذه الدراسة

 فخ التبعية : مصر وصندوق النقد الدولي 

   عبد المجيد راشد

تعتبر مصر من الدول المؤسسة لصندوق النقد الدولي عام 1945 ، وقد بلغت حصتها وقت التأسيس ما يعادل 45 مليون دولار . ولكنها رفعت أكثر من مرة تمشياً مع الزيادات العامة في حصص الأعضاء التي يقررها الصندوق دورياً ، وقد حصلت مصر على موارد من الصندوق لتمويل عجز المدفوعات .

وفي مايو عام 1962 وقعت مصر أول اتفاق للتثبيت مع الصندوق ، وكان ذلك في أعقاب تدهور محصول القطن وانخفاض حصيلة البلاد من النقد الأجنبي عام 1961، وبمقتضي هذا الاتفاق يقدم الصندوق لمصر تسهيلات قدرها 20 مليون جنيه إسترليني وفي مقابل ذلك التزمت الحكومة المصرية بتخفيض الجنيه المصري من 2.24 دولار إلى 2.30 دولار للجنيه مع توحيد سعر الصرف لجميع المعاملات عدا رسوم العبور في قناة السويس ورواتب المبعوثين من الطلبة للخارج ، كما تضمن الاتفاق أيضاً رفع أسعار الفائدة المحلية وإتباع سياسة تقشفية . [1]  

على أن المرحلة الحاسمة في علاقة مصر بصندوق النقد الدولي بدأت مع منتصف السبعينات ، ففي مايو 1974 ، بدأ صندوق النقد الدولي دوره في تكييف الإقتصاد المصري في حقبة الإنفتاح ، وتزامن ذلك مع بدء تدشين سياسة " الإنفتاح" إقتصادياً بموجب القانون 43 لسنة 1974 . ففي البدء ، تدخل الصندوق في الإقتصاد المصري من خلال مسلك الإقراض لعلاج عجز ميزان المدفوعات وسداد متأخرات القروض ، فقد أشار تقرير البعثة التي زارت القاهرة وقتها إلى العجز في ميزان المدفوعات وتراكم المتأخرات ونصح بأن الأمر يتطلب "إصلاحاً" جذرياً للقطاع الخارجي ليكون مدخلاً للإصلاح الاقتصادي و "بالتحديد" طلبت البعثة أن يتسع نطاق السوق الموازية للنقد الأجنبي اتساعاً كبيراً كخطوة رئيسية نحو إنشاء سعر معدل وحيد للصرف عند مستوي واقعي ، وإعادة هيكلة الأسعار في قطاعات التجارة الداخلية والخارجية.[2]  

كما تم في هذه المرحلة تكوين ما يسمي "المجموعة الاستشارية لمصر" وهي تكتل من الدائنين"، ومقدمي المساعدات، الغرض منه فرض سياسات وأولويات اقتصادية معينة مقابل تقديم الموارد المالية. وقد لعب صندوق النقد الدولي دوراً بارزاً في مداولات وإجتماعات المجموعة الاستشارية لمصر وقد طالب الصندوق مصر بضرورة اتخاذ " خطوات جادة للإصلاح الاقتصادي " وتمثلت إستجابة مصر لهذه المطالب في خطابي النوايا اللذين قدمتهما للصندوق في مايو 1976 ويونيو 1978 . كما اقتضي الأمر أيضا استئناف المشاورات السنوية طبقاً للمادة الرابعة من إتفاقية الصندوق ، وتعيين ممثل مقيم للصندوق في مصر[3] . ويمكن رصد عملية التكييف التي أخضع صندوق النقد، الاقتصاد المصري لها من خلال استعراض خطابات النوايا التي قدمتها الحكومة في مصر لصندوق النقد. وقراءة خطابي النوايا (76 - 1978) تفصح عن الآليات الآتية :

(أ) تفضيل الزراعة على الصناعة.

(ب) تفضيل القطاع الخاص على العام.

(ج) تفضيل الأجنبي على الوطني.

(د) تفضيل الأنشطة التجارية على الأنشطة الإنتاجية.

(هـ) تغليب قوي السوق على التخطيط. [4]

ومن الأهمية أن نتوقف قليلاً عند تحليل مضمون خطابي النوايا في (76- 1978) [5]

أولاً: خطاب النوايا لعام 1976 : 

صدر هذا الخطاب في مايو 1976 … ويتضمن الخطاب برنامجاً "للإصلاح الاقتصادي" مدته سنة واحدة في إطار ترتيب مساندة من الصندوق بمبلغ 125 مليون من وحدات السحب الخاصة (قيمة الوحدة 1.2 دولار أمريكي). ويبدأ الخطاب بتبنيات الإنجازات التي تمت وفي مقدمتها عملية الإصلاح الإداري التي تستهدف لا مركزية اتخاذ القرارات وجعلها أكثر استجابة لقوي السوق . ومن هذه الإنجازات أيضاً تعديل قانون الاستثمار وزيادة إمكانية حصول المصـريين على السـلع المستوردة (فقرة 2) … ويلاحظ أيضاً الحرص على تأكيد أن الإجراءات التي اتخذت أو تلك التي ستتخذ بالفعل هي بمثابة إشارة لكل من المصريين والمجتمع الدولي، وأن الحاجة ستكون مستمرة للعون الخارجي (فقرة 5) . والقاسم المشترك وراء كل هذه العناصر هو أننا " نخطب ود الخارج" … لذلك فنحن نعدل قانون الاستثمار لتشجيع الاستثمارات الخاصة ونزيد من فرص حصول مواطنينا على سلع الخارج ونرسل الإشارات للخارج ونحتاج إلى العون الخارجي. [6] ويحتوي الخطاب على إجراءات في مجالات إصلاح نظام الصرف وسياسة التجارة الخارجية وتحديد المعاملات الداخلية واللامركزية والسياسة المالية والسياسة النقدية والإئتمانية وسياسة الدين الخارجي والمتأخرات.ففي مجال إصلاح نظام الصرف وسياسة التجارة الخارجية ، يحدد الخطاب هدفاً نهائياً هو توحيد سعر الصرف عند مستوي يعيد للاقتصاد توازنه الخارجي ، وتحرير المعاملات الخارجية من القيود الإدارية وإقامة سوق تجارية جديدة يتحدد فيها سعر مرن للنقد الأجنبي (فقرة 6) وسوف يصبح القطاع الخاص حراً في استيراد السلع دون قيود كمية (فقرة 7) وسوف يسمح لسعر الصرف في السوق التجارية أن يعوم استجابة لقوي العرض والطلب ، بحيث يحفظ التوازن بين كميات النقد الأجنبي المباعة والمشتراه في السوق (فقرة 9)، وسوف يتم تحويل قدر كبير من المعاملات بالعملات الحرة القابلة للتحويل من السعر الرسمي إلى السعر التجاري بما ينطوي على تخفيض فعلي كبير للجنيه المصري مما يساعد بدرجة كبيرة على ترشيد القطاع الخارجي (الفقرتان 10 ، 11) . وسوف يتم إنهاء معظم اتفاقات الدفع الثنائية مع أعضاء الصندوق (فقرة 12) . وفي مجال السياسة المالية:-  يتضمن الخطاب إجراءات لاحتواء الإنفاق الخارجي ولزيادة الإيرادات (فقرة 14) .. ومن إجراءات احتواء الإنفاق الجاري ، تخفيض تكاليف دعم المواد الغذائية بأكثر من 100 مليون جنيه مقابل منح علاوة لنفقة المعيشة لذوي الدخل المحدود قدرها 30 مليون جنيه .. فضلاً عن توقع ضرورة منح زيادة أخرى في الأجور في أواخر السنة حينما تصبح ارتفاعات الأسعار الناتجة عن إصلاح سعر الصرف أكثر وضوحاً (فقرة 14) .

 وفي مجال السياسة النقدية والائتمانية : يتضمن الخطاب أن البنك المركزي قام برفع أسعار الفائدة وإلغاء ضريبة المنبع على مدفوعات الفوائد (فقرة 16) باستهداف تشجيع المدخرات … وكذلك الحد من زيادة الأصول المحلية للقطاع المصرفي (فقرة 17) باستهداف احتواء التضخم.

 وفي مجال سياسة الدين الخارجي والمتأخرات : يستهدف البرنامج المتضمن في خطاب النوايا ، تخفيض الاعتماد على الاقتراض الخارجي إلى مستوي أكثر تناسباً مع الاحتياجات، وبالذات تقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي قصير ومتوسط الأجل بواسطة الحكومة ، وبضمانها ، وقصر الاقتراض متوسط الأجل في مدي أجل استحقاق أطول من 5 سنوات وتخفيض مستوي استخدام التسهيلات الائتمانية قصيرة الأجل للبنوك المراسلة (فقرة 18) . كما يتضمن الخطاب نية التخلص من المتأخرات السابقة بسرعة (فقرة 19) .

ولعل أهم ما إحتواه خطاب النوايا و المتعلق بموضوع هذه الدراسة ، التعهدات موضوع الفقرات 20 - 22 ، فالفقرة (20) تسلب مصر تماماً قدرتها وحريتها في تعديل نظام الصرف أو فرض قيود جديدة أو تشديد القائم منها على المدفوعات والتحويلات للمعاملات الدولية الجارية ، كما تحرم عليها الدخول في أية اتفاقيات ثنائية للدفع ، وإذا أخلت مصر بتعهداتها والتزاماتها الواردة في الفقرات 9 ، 11 ، 17 ، 18 ، 19 ، 20 ، فلن تستطع الحصول على أية موارد من الصندوق طبقاً لترتيب المساندة ، كما أنها ملزمة بنص الفقرة 22 من خطاب النوايا بالاستجابة لطلب المدير المنتدب للصندوق بالتشاور متي رأي ذلك. [7] وجدير بالذكر في هذا المقام أن السياسات الاقتصادية التي طبقت وفقاً لهذا البرنامج وطبقاً لما ورد في خطاب النوايا (1976) كانت السبب الرئيس في انتفاضة الشعب المصري في 18 و19 يناير 1977 . فقد كانت الاحتجاج العملي من جانب الجموع الغفيرة من الشعب على محاولة تحميلهم هم بعبء التكيف الاقتصادي المطلوب في إطار وصفة صندوق النقد الدولي . ففي إطار اتخاذ إجراءات تنفيذية لخطاب النوايا … بعث " بول ديكي " ممثل صندوق النقد الدولي بالقاهرة – بمذكرة سرية وشخصية إلى الدكتور "زكي شافعي" وزير الاقتصاد - جعل عنوانها " بعض الأفكار حول مسألة الإصلاح الاقتصادي " وفي هذه المذكرة أوضح "ديكي" أن الحاجة أصبحت ماسة لبعض الإجراءات الحازمة ، ومن ضمنها تخفيض سعر الجنية المصري (ما أصبح يسمي تأدباً توحيد سعر الصرف) ، إلى جانب رفع - أو تخفيض - الدعم على بعض السلع الضرورية التي كانت الحكومة لسنوات طويلة تقوم بدعمها لصالح سواد الشعب (بين هذه السلع السكر والخبز والسكر والوقود وبعض أنواع الأقمشة الشعبية)  إلى جانب ما تضمنه خطاب النوايا من تعهدات … وأدت مقترحات "ديكي" إلى شعور بالقلق العميق لدي الدكتور "زكي شافعي" وزملائه في المجموعة الاقتصادية داخل مجلس الوزراء ، وأبدوا بعض الاعتراضات . وكان بين ما حاولوا شرحه لممثل صندوق النقد  الدولي ، أن مصر تحولت في حقيقة الأمر من دولة مصدرة إلى دولة مستوردة ، فإذا جرى تخفيض قيمة الجنيه المصري ، فمعني ذلك ببساطة أن فاتورة الواردات سوف ترتفع . ولقد كانت الرعشة تصيبهم

المزيد


تحليل مضمون العولمة

ديسمبر 28th, 2006 كتبها  عبد المجيد راشد نشر في , دراسات

تحليل مضمون  العولمة

دراسة :ـ عبد المجيد راشد 

 

يتطلب الحديث عن العولمة بطريقة جادة تمحيص المصادرة الفكرية والفلسفية التي ينهض عليها مصطلح أو مفهوم العولمة ذاته، والتعرف على الغائب والمسكوت عنه في هذا المفهوم من خلال التوقف عند السياق الذي تبلورت في ظله أهم ملامح في ظله أهم ملامح هذا المصطلح وبدأت معه عملية تسويقه [1]، كما يتطلب أي بحث جاد لهذه الظاهرة الجديدة معرفة مجموعة العناصر التي تتخلق من اجتماعها وتفاعلها وتكاملها مع آلية هذا المفهوم أو النظام الشامل الذي يتسع نطاقه ليشمل جوانب متعددة من تجليات هذه الظاهرة phenomenon أو العملية process في صيرورتها المستمرة، لأن نطاق هذه الظاهرة "العملية" لا تقتصر على مجال محدد من مجالات النشاط الإنساني،  كالمجال الاقتصادي مثلاً، وإنما تتجاوزه إلى مجالات نوعية أخرى من النشاط الاجتماعي إلى النشاطات الإعلامية والمعرفية الأخرى. [2]

 

     كما أن رصد حركة تناقل الأفكار من نقطة منشئها إلى موقع آخر، توجب معرفة مزدوجة :

           أولها : معاينة مجالها الاجتماعي التاريخي الأساسي .

         و ثانيها : ظروف الانتقال وما آلت إليه من استجابات في موقعها الجديد.

     والأمر هنا يتعلق بمقاربة إمكانيات الفكر العربي خلال تعاطيه لمفهوم "العولمة" وتحليل مضمونه ووجوه اتفاقه واختلافه أو تأويله وتمثله مع مرجعيته في الفكر الغربي، وهذا ما يطلق عليه إشكالية "انتقال النظرية" من نقطة منشئها إلى موقع آخر. [3]

    ولعله من المستطاع طرح مرمى هذه الإشكالية بصورة أوضح، من خلال السعي إلى الإجابة على تساؤلات من قبيل : كيف تمت صياغة مفهوم "العولمة" في محيط نشأته الغربية؟ وما هي الظروف الواقعية والمعرفية التي انتقل فيها إلينا؟ وما هي كيفيات قراءة المثقفين العرب له؟ وضمنياً : ما هي طريقة تعاملهم المنهجية التي استعانوا بها في هذه القراءة؟ وكيف أولوا هذا المفهوم؟

     قدم رولند روبرتسن تصوراً لكيفية صياغة مفهوم العولمة في محيط نشأته الغربية في دراساته "رسم خارطة للوضع العالمي - العولمة كفكرة محورية" مركزاً فيها على الجوانب التحليلية والتجريبية للعولمة وممهداً فيها الطريق لتحليل منظم وتفسير للعولمة منذ أواسط القرن الثامن عشر - مع الإشارة إلى المراحل الرئيسية للعولمة في تاريخ العلم الحديث واستكشاف بعض من أبرز جوانب الحالة العالمية المعاصرة من منظور تحليلي. [4]

ويعتقد روبرتسن أن ما يسمى "عولمة" يمكن فهمه بأفضل صورة بأنه يشير إلى مشكلة الشكل التي يصبح العالم من زاويتها موحداً ولكن دون أن يندمج بصورة وظيفية ساذجة، ويرى بعبارة أخرى، أن العولمة كموضوع هي مدخل فكرى لمشكلة النظام العالمي بأشمل معانيه، ولكنها مع ذلك مدخل ليست له وسيلة إدراكيه دون مناقشة مستفيضة للمسائل التاريخية والمقارنة، كما أنها ظاهرة تتطلب ما يعرف عادة بالتناول المتعدد الأفرع العلمية [5]، وفى نهاية دراسته يطرح روبرتسن تصوره عن كيفية صياغة مفهوم العولمة في محيط نشأته الغربية بالاستناد إلى المنهج التاريخي - بالأساس - بطرحه الطريق التاريخي الزمني للحالة الراهنة التي تتسم بدرجة عالية من الكثافة والتعقيد العالميين بوصفه وتقسيمه إلى مراحل  كالأتى :ـ  مرحلة أولى

    وهى المرحلة الجنينية والتي استمرت في أوروبا منذ أوائل القرن الخامس عشر وحتى أواسط القرن الثامن عشر والتي شهدت النمو الأولى للجماعات القومية وتقلص النسق "عبر القومي" الوسيط وإبراز مفاهيم الفرد وظهور أفكار عن الإنسانية، ونظرية مركزية الشمس بالنسبة للعالم ونشأة الجغرافيا الحديثة وانتشار التقويم الجريجوري.

المرحلة الثانية

         وهى المرحلة الأولية واستمرت في أوروبا بصفة أساسية منذ أواسط القرن الثامن عشر وحتى السبعينات منه، وتتسم بالتحول الجذري نحو فكرة الدولة المتجانسة الواحدة، وتبلور مفاهيم عن العلاقات الدولية الشكلية ووضع مقاييس للأفراد كمواطنين، ونشأة تصور أوضح عن الإنسان والزيادة الهائلة في عدد المؤسسات والهيئات المختصة بالنظم والاتصال الدولي وعبر القومي وظهور مشكلة "قبول" المجتمعات غير الأوروبية في المجتمع الدولي، وطرح قضية النزعتين القومية والدولية.

  المرحلة الثالثة

    وهى مرحلة الانطلاق واستمرت من سبعينيات القرن الثامن عشر وحتى أواسط عشرينيات القرن العشرين، وتميزت بظهور مفاهيم عالمية عن "الصورة المثلى" لمجتمع دولي "مقبول" وضم بعض المجتمعات غير الأوروبية إلى "المجتمع الدولي" وظهور الصيغة الدولية ومحاولة تطبيق أفكار عن الإنسانية، وزيادة هائلة في عدد أنماط الاتصال العالمي وسرعتها، ونمو صور التنافس العالمي كالألعاب الأوليمبية وجائزة نوبل وتطبيق الوقت العالمي والانتشار شبه العالمي للتقويم الجريجوري والحرب العالمية الأولى وتأسيس عصبة الأمم .

  المرحلة الرابعة

      وهى مرحلة الصراع على الهيمنة واستمرت من عشرينيات القرن العشرين وحتى أواسط الستينيات منه، ومن ملامحها نشوب الجدل حول المصطلحات الهشة لعملية العولمة والتي ظهرت في أواخر مرحلة الانطلاق، ونشوب صراعات دولية حول أساليب الحياة والجدل وحول طبيعة الإنسانية ومستقبلها بعد ظهور القنبلة الذرية، وتأسيس الأمم المتحدة .

 المرحلة الخامسة

      وهى مرحلة الشك وبدأت في الستينيات واتجهت نحو التأزم في أوائل تسعينيات القرن العشرين، ومن سماتها ضم العالم الثالث وارتفاع درجة الوعي العالمي في أواخر الستينيات، والهبوط على سطح القمر، وبروز قيم "ما بعد المادية" ونهاية الحرب الباردة وانتشار الأسلحة النووية، وتزايد عدد المؤسسات والحركات الدولية بصورة كبيرة، وتزايد تعقيد مفاهيم الفردية بسبب الاعتبارات النوعية والعرقية والعنصرية، وسيولة الحقوق المدنية والنظام الدولي، ونهاية القطبية الثنائية والاهتمام بالمجتمع المدني العالمي والمواطنة العالمية وتزايد الاهتمام بالإنسانية كجماعة نوعية واندماج النظام الإعلامي العالمي. [6]

ويربط رولند روبرتسن بين هذه المراحل والتي وصلت إلى الظرف المعاصر وبين اعتبار أن معظم تاريخ العالم يمكن اعتباره سلاسل متتابعة من صيغة مصغرة من العولمة، بمعنى أن قيام الإمبراطوريات التاريخية مثلاً كان يشتمل على توحيد أقاليم وكيانات اجتماعية كانت منعزلة من قبل، كما كانت هناك تحولات في الاتجاه المضاد كما هو الحال في تفكك أوروبا في العصور الوسطي ولو أن نشأة الدولة الإقليمية ساعد على دفع الإمبريالية مقدماً ومعها تصورات عن العالم ككل، وقد نشأت الحركات والتنظيمات المهتمة بتنميط العالم ككل أو توحيده منذ ألفى عام على الأقل، وهناك أفكار عن الصلة بين العالمي والخاص كانت محورية بالنسبة لكل الحضارات الكبرى ويستشهد في ذلك بما كتبه يولييوس في كتابة التاريخ العام ما يلي إشارة إلى نشأة الإمبراطورية الرومانية : "فيما مضى لم يكن للأشياء التي حدثت في العالم صلة ببعضها البعض، أما منذ ذلك الوقت فإن كل الأحداث مترابطة في حزمة واحدة". [7]

   وبالرغم من أن جيمس روزناو أحد أبرز علماء السياسة الأمريكيين قرر وضع تعريف واضح للعولمة يحدد محتواها بدقة إلا أنه وجد أن ذلك يبدوا مبكراً، فوضع تعريف كامل وجاهز يلائم التنوع الضخم لهذه الظواهر المتعددة، فعلى سبيل المثال، يقيم مفهوم العولمة علاقة بين مستويات متعددة للتحليل، الاقتصاد - السياسة - الثقافة - الإيديولوجية، وتشمل إعادة تنظيم الإنتاج، تداخل الصناعات عبر الحدود، انتشار أسواق التمويل، تماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول، نتائج الصراع بين المجموعات المهاجرة والمجموعات القيمة، ويعقب قائلاً : "في ظل ذلك كله فإن مهمة إيجاد صيغة مفردة تصف كل هذه الأنشطة تبدو عملية صعبة، وحتى لو تم تطوير هذا المفهوم، فمن المشكوك فيه، أن يتم قبوله واستعماله بشكل واسع. [8]

ويمكن القول أن منهج روزناو في وضع تعريف للعولمة يتمثل في ضرورة تحديد المشكلات المرتبطة بهذا المفهوم منذ البداية، وهكذا يطرح سؤالاً رئيسياً مبناه : ما هي العوامل التي أدت إلى بروز ظاهرة العولمة في الوقت الراهن؟ وهل هذا يرجع إلى انهيار نظام الدولة ذات الحدود المستقلة؟ وهل العولمة تتضمن زيادة التجانس أم تعميق الفوارق والاختلافات؟ وهل الهدف هو توحيد العالم أم فصل النظم المجتمعية عن طريق الحدود المصنوعة؟ وهل العولمة تنطلق عن مصادر رئيسية واحدة؟ أم من خلال الأيديولوجية؟ وهل هي عبارة عن إتحاد لكل هذه العوامل، أم أنه لا تزال هناك أبعاد أخرى؟ وهل العولمة تتميز بوجود ثقافات عامة أم مجموعة من الثقافات المحلية المتنوعة؟ وهل العولمة غامضة أم أنها تحول بارز على المدى الطويل بين العام والخاص وبين المحلى والخارجي وبين المغلق والمفتوح؟ وهل هي استمرار لنمو الفجوة بين الفقراء والأغنياء على جميع المستويات وهل العولمة تتطلب وجود حكومة عالمية؟ وفى ضوء ذلك كله يمكن إثارة سؤال رئيسي : كيف تحدث العولمة؟ وبعبارة أخرى بأي الطرق، أي من خلال أي قنوات يتم انتشار السلع والخدمات والأفراد والإفكار والمعلومات والنقود والرموز والاتجاهات وأشكال السلوك عبر الحدود.

في رأى روزناو تتم عملية الانتشار من خلال أربعة طرق متداخلة ومترابطة :

1)   من خلال التفاعل الحواري ثنائي الاتجاه عن طريق تكنولوجيا الاتصال.

2)   الاتصال المنولوجى أحادى الاتجاه من خلال الطبقة المتوسطة.

3)   من خلال المنافسة والمحاكاة.

4)   من خلال تماثل المؤسسات. [9]

    أما جيفري ساكس - مدير معهد هارفارد للتنمية الدولية - فيرى في دراسته عن الاقتصاد الدولي وحل ألغاز العولمة "أن هناك أربع مجموعات رئيسية من القضايا التي يجرى دراستها وتمحيصها، الأولى هي : هل ستكفل العولمة نمواً اقتصادياً أسرع لثلاثة أرباع البشرية (4.5 مليار نسمة) الذين يعيشون في الدول النامية؟ والثانية : هل ستؤدى العولمة إلى تطوير أم تدمير استقرار الاقتصاد الكلى؟ بمعنى آخر، هل الانهيارات المفاجئة وغير المتوقعة لاقتصاديات السوق البازغة (مثل المكسيك عام 1994، وشرق آسيا عام 1997) هي نتاج تصدعات عميقة في عملية العولمة ذاتها أم أنها مجرد ظواهر يمكن السيطرة عليها أم هي نوع من القلبات التي يمكن تجنبها في الطريق إلى ازدهار أكبر، والثالثة : هل تشجع العولمة على المزيد من اختلال توزيع الدخل، وإذا كان الأمر كذلك، فهل تقتصر المشكلة على المزيد من اختلال توزيع الدخل، وإذا كان الأمر كذلك، فهل تقتصر المشكلة على العمال قليلي المهارة في الاقتصاديات المتقدمة أم أنها نتاج تكثيف قوى السوق في جميع أنحاء العالم؟ والرابعة : تتمثل في التساؤل حول كيفية توفيق المؤسسات الحكومية سلطاتها ومسئولياتها على مختلف مستوياتها الإقليمية والوطنية والدولية في ضوء انبثاق السوق العالمي (الكوني). [10]

    ويرى جيفري ساكس بعد محاولاته للإجابة على القضايا الأربعة التي طرحها في دراسته أنه "لا جدال في أن للعولمة آثاراً عميقة على السياسة على مستويات كثيرة وأهم هذه الآثار هو طمس معالم السوق الوطنية في تعاملها مع الأسواق العالمية، ويشبه ذلك "بقلبات البحر" التي يتعرض لها دور الدولة / الأمة في علاقته بالحكومات المحلية والإقليمية من ناحية والمؤسسات المتعددة القومية من ناحية أخرى ". [11]

   ومن زاوية أخرى يرى جان - مارى جيهنيو، والذي يترأس مجلس إدارة معهد الدراسات العليا للدفاع الوطني الفرنسي، أن العولمة انتصار طويل الأمد لأمريكا، ويؤكد في دراسته أمركة العالم أم عولمة أمريكا "أن العولمة هي "أمركة العالم" أي نشر الحلم الأمريكي" على نطاق العالم، ويفتتح جان مارى جيهنيو دراسته بمقال لـ "بيير هسنر" استعرض فيه مختلف المؤلفات الأمريكية التي لم تقدم مراجع فكرية تتعلق بالحوار الدولي خلال السنوات العشر الماضية، مستنبطاً من ذلك أن الولايات المتحدة لا تفعل ذلك إلا "إذا وجدت مشقة في تحويل العالم حسب تمنياتها، فليس هناك أي مزاحم لها في تفسير ذلك". [12]

ويرى جان - مارى جيهينيو أن هذه السيطرة الفكرية على الحوار الدولي ليست سوى اللمسة الأخيرة لهيمنة تشمل في آن واحد الجوانب العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية والثقافية والاجتماعية، وكذلك فإن التفسير الذي يقدمه جان - مارى جيهينيو للعولمة بوصفها امتداد للنموذج الأمريكي يقوم أساساً على الربط بين التجربة التاريخية المتميزة في الولايات المتحدة وظاهرة العولمة، فالنموذج الأمريكي استطاع أن يوفق بين "الذاكرة والعقد" والمقصود بالذاكرة هنا ذاكرة الأمم ذات الأصول الممتدة على مدى التاريخ، أما العقد فيشير إلى قواعد التفاهم التي توصلت إليها الولايات المتحدة عن طريق مختلف الجماعات التي توافدت عليها خلال القرون الخمسة الأخيرة في غياب الاعتماد على تراث واحد وتراب وطني مشترك [13]، وبالرغم من الهيمنة الأمريكية فإن جيهينيو يرى أنه سيكون للابتكار السياسي الذي تسعى إليه حالياً الوحدة الأوروبية، ولطبيعة العلاقات التي ستنمو بينها وبين الولايات المتحدة بهذا الخصوص أهمية حاسمة بالنسبة للنفوذ الأمريكي وإذا تمكنت أوروبا وأمريكا من القيام معاً ببناء مؤسسات العولمة ومن التوصل إلى توازن بين المنطق القومى والمنطق المتعدى القومية "سينعم العالم بانطلاق عولمة سينظر إليها كتطور مشروع" وعلى العكس، فإن عجزهما عن تحقيق ذلك سيفصل بينهما من خلال مواجهات يمكن أن يتحول فيها شجب أمريكا إلى عامل ترابط بين المجتمعات التي تتعرض هواياتها الخاصة للتهديد.

   وفى إجابة مستترة حول إذا ما استمرت أمريكا في ممارسة هيمنتها ونفوذها وأحاديتها فإن جيهينيو يطرح عدد من الأسئلة مثل : "هل سيكتب الدوام للنجاح الأمريكي الظاهري؟ وهل نحن نشهد بداية إمبراطورية جديدة؟ أم نحن بصدد مجرد عدم توازن مؤقت وفترة "أحادية القطب" نتيجة للانهيار المفاجئ للإتحاد السوفيتي ستنتهي في غضون حوالي عشرين سنة عندما ستؤكد وجودها قوى أخرى جديدة، مثل الصين والإتحاد الأوروبي، فبعد العالم ثنائي القطب ثم أحادى القطب سيصبح العالم أخيراً متعدد الأقطاب، كيف يمكننا أن نتصور اليوم مدى القوة الأمريكية؟ وإذا كانت أمريكا من الآن فصاعداً في نفوسنا ورؤوسنا فهل يمكن أن نزعم أننا سنكون مراقبين خارجيين يعالجون المسألة بالتالي كقضية تخص السياسة الخارجية؟ أليس تفكيرنا المتعلق بطبيعة القوى الأمريكية هو تفكير حول ذاتنا وكياننا وحول ما نريد أن نكون؟ وإذا كان العالم بأسره يتأمرك، ألن تصبح سياسة الولايات المتحدة "الخارجية" بالضرورة مجرد امتداد لسياستها الداخلية عوضاً عن أن تكون تعبيراً عن مصلحة وطنية تفترض تواجد أمم أخرى في مواجهة أمريكا واثقة من هويتها الخاصة وتؤدى ر

المزيد


التالي