
تحليل مضمون العولمة
دراسة :ـ عبد المجيد راشد
يتطلب الحديث عن العولمة بطريقة جادة تمحيص المصادرة الفكرية والفلسفية التي ينهض عليها مصطلح أو مفهوم العولمة ذاته، والتعرف على الغائب والمسكوت عنه في هذا المفهوم من خلال التوقف عند السياق الذي تبلورت في ظله أهم ملامح في ظله أهم ملامح هذا المصطلح وبدأت معه عملية تسويقه ، كما يتطلب أي بحث جاد لهذه الظاهرة الجديدة معرفة مجموعة العناصر التي تتخلق من اجتماعها وتفاعلها وتكاملها مع آلية هذا المفهوم أو النظام الشامل الذي يتسع نطاقه ليشمل جوانب متعددة من تجليات هذه الظاهرة phenomenon أو العملية process في صيرورتها المستمرة، لأن نطاق هذه الظاهرة "العملية" لا تقتصر على مجال محدد من مجالات النشاط الإنساني، كالمجال الاقتصادي مثلاً، وإنما تتجاوزه إلى مجالات نوعية أخرى من النشاط الاجتماعي إلى النشاطات الإعلامية والمعرفية الأخرى.
كما أن رصد حركة تناقل الأفكار من نقطة منشئها إلى موقع آخر، توجب معرفة مزدوجة :
أولها : معاينة مجالها الاجتماعي التاريخي الأساسي .
و ثانيها : ظروف الانتقال وما آلت إليه من استجابات في موقعها الجديد.
والأمر هنا يتعلق بمقاربة إمكانيات الفكر العربي خلال تعاطيه لمفهوم "العولمة" وتحليل مضمونه ووجوه اتفاقه واختلافه أو تأويله وتمثله مع مرجعيته في الفكر الغربي، وهذا ما يطلق عليه إشكالية "انتقال النظرية" من نقطة منشئها إلى موقع آخر.
ولعله من المستطاع طرح مرمى هذه الإشكالية بصورة أوضح، من خلال السعي إلى الإجابة على تساؤلات من قبيل : كيف تمت صياغة مفهوم "العولمة" في محيط نشأته الغربية؟ وما هي الظروف الواقعية والمعرفية التي انتقل فيها إلينا؟ وما هي كيفيات قراءة المثقفين العرب له؟ وضمنياً : ما هي طريقة تعاملهم المنهجية التي استعانوا بها في هذه القراءة؟ وكيف أولوا هذا المفهوم؟
قدم رولند روبرتسن تصوراً لكيفية صياغة مفهوم العولمة في محيط نشأته الغربية في دراساته "رسم خارطة للوضع العالمي - العولمة كفكرة محورية" مركزاً فيها على الجوانب التحليلية والتجريبية للعولمة وممهداً فيها الطريق لتحليل منظم وتفسير للعولمة منذ أواسط القرن الثامن عشر - مع الإشارة إلى المراحل الرئيسية للعولمة في تاريخ العلم الحديث واستكشاف بعض من أبرز جوانب الحالة العالمية المعاصرة من منظور تحليلي.
ويعتقد روبرتسن أن ما يسمى "عولمة" يمكن فهمه بأفضل صورة بأنه يشير إلى مشكلة الشكل التي يصبح العالم من زاويتها موحداً ولكن دون أن يندمج بصورة وظيفية ساذجة، ويرى بعبارة أخرى، أن العولمة كموضوع هي مدخل فكرى لمشكلة النظام العالمي بأشمل معانيه، ولكنها مع ذلك مدخل ليست له وسيلة إدراكيه دون مناقشة مستفيضة للمسائل التاريخية والمقارنة، كما أنها ظاهرة تتطلب ما يعرف عادة بالتناول المتعدد الأفرع العلمية ، وفى نهاية دراسته يطرح روبرتسن تصوره عن كيفية صياغة مفهوم العولمة في محيط نشأته الغربية بالاستناد إلى المنهج التاريخي - بالأساس - بطرحه الطريق التاريخي الزمني للحالة الراهنة التي تتسم بدرجة عالية من الكثافة والتعقيد العالميين بوصفه وتقسيمه إلى مراحل كالأتى :ـ مرحلة أولى
وهى المرحلة الجنينية والتي استمرت في أوروبا منذ أوائل القرن الخامس عشر وحتى أواسط القرن الثامن عشر والتي شهدت النمو الأولى للجماعات القومية وتقلص النسق "عبر القومي" الوسيط وإبراز مفاهيم الفرد وظهور أفكار عن الإنسانية، ونظرية مركزية الشمس بالنسبة للعالم ونشأة الجغرافيا الحديثة وانتشار التقويم الجريجوري.
المرحلة الثانية
وهى المرحلة الأولية واستمرت في أوروبا بصفة أساسية منذ أواسط القرن الثامن عشر وحتى السبعينات منه، وتتسم بالتحول الجذري نحو فكرة الدولة المتجانسة الواحدة، وتبلور مفاهيم عن العلاقات الدولية الشكلية ووضع مقاييس للأفراد كمواطنين، ونشأة تصور أوضح عن الإنسان والزيادة الهائلة في عدد المؤسسات والهيئات المختصة بالنظم والاتصال الدولي وعبر القومي وظهور مشكلة "قبول" المجتمعات غير الأوروبية في المجتمع الدولي، وطرح قضية النزعتين القومية والدولية.
المرحلة الثالثة
وهى مرحلة الانطلاق واستمرت من سبعينيات القرن الثامن عشر وحتى أواسط عشرينيات القرن العشرين، وتميزت بظهور مفاهيم عالمية عن "الصورة المثلى" لمجتمع دولي "مقبول" وضم بعض المجتمعات غير الأوروبية إلى "المجتمع الدولي" وظهور الصيغة الدولية ومحاولة تطبيق أفكار عن الإنسانية، وزيادة هائلة في عدد أنماط الاتصال العالمي وسرعتها، ونمو صور التنافس العالمي كالألعاب الأوليمبية وجائزة نوبل وتطبيق الوقت العالمي والانتشار شبه العالمي للتقويم الجريجوري والحرب العالمية الأولى وتأسيس عصبة الأمم .
المرحلة الرابعة
وهى مرحلة الصراع على الهيمنة واستمرت من عشرينيات القرن العشرين وحتى أواسط الستينيات منه، ومن ملامحها نشوب الجدل حول المصطلحات الهشة لعملية العولمة والتي ظهرت في أواخر مرحلة الانطلاق، ونشوب صراعات دولية حول أساليب الحياة والجدل وحول طبيعة الإنسانية ومستقبلها بعد ظهور القنبلة الذرية، وتأسيس الأمم المتحدة .
المرحلة الخامسة
وهى مرحلة الشك وبدأت في الستينيات واتجهت نحو التأزم في أوائل تسعينيات القرن العشرين، ومن سماتها ضم العالم الثالث وارتفاع درجة الوعي العالمي في أواخر الستينيات، والهبوط على سطح القمر، وبروز قيم "ما بعد المادية" ونهاية الحرب الباردة وانتشار الأسلحة النووية، وتزايد عدد المؤسسات والحركات الدولية بصورة كبيرة، وتزايد تعقيد مفاهيم الفردية بسبب الاعتبارات النوعية والعرقية والعنصرية، وسيولة الحقوق المدنية والنظام الدولي، ونهاية القطبية الثنائية والاهتمام بالمجتمع المدني العالمي والمواطنة العالمية وتزايد الاهتمام بالإنسانية كجماعة نوعية واندماج النظام الإعلامي العالمي.
ويربط رولند روبرتسن بين هذه المراحل والتي وصلت إلى الظرف المعاصر وبين اعتبار أن معظم تاريخ العالم يمكن اعتباره سلاسل متتابعة من صيغة مصغرة من العولمة، بمعنى أن قيام الإمبراطوريات التاريخية مثلاً كان يشتمل على توحيد أقاليم وكيانات اجتماعية كانت منعزلة من قبل، كما كانت هناك تحولات في الاتجاه المضاد كما هو الحال في تفكك أوروبا في العصور الوسطي ولو أن نشأة الدولة الإقليمية ساعد على دفع الإمبريالية مقدماً ومعها تصورات عن العالم ككل، وقد نشأت الحركات والتنظيمات المهتمة بتنميط العالم ككل أو توحيده منذ ألفى عام على الأقل، وهناك أفكار عن الصلة بين العالمي والخاص كانت محورية بالنسبة لكل الحضارات الكبرى ويستشهد في ذلك بما كتبه يولييوس في كتابة التاريخ العام ما يلي إشارة إلى نشأة الإمبراطورية الرومانية : "فيما مضى لم يكن للأشياء التي حدثت في العالم صلة ببعضها البعض، أما منذ ذلك الوقت فإن كل الأحداث مترابطة في حزمة واحدة".
وبالرغم من أن جيمس روزناو أحد أبرز علماء السياسة الأمريكيين قرر وضع تعريف واضح للعولمة يحدد محتواها بدقة إلا أنه وجد أن ذلك يبدوا مبكراً، فوضع تعريف كامل وجاهز يلائم التنوع الضخم لهذه الظواهر المتعددة، فعلى سبيل المثال، يقيم مفهوم العولمة علاقة بين مستويات متعددة للتحليل، الاقتصاد - السياسة - الثقافة - الإيديولوجية، وتشمل إعادة تنظيم الإنتاج، تداخل الصناعات عبر الحدود، انتشار أسواق التمويل، تماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول، نتائج الصراع بين المجموعات المهاجرة والمجموعات القيمة، ويعقب قائلاً : "في ظل ذلك كله فإن مهمة إيجاد صيغة مفردة تصف كل هذه الأنشطة تبدو عملية صعبة، وحتى لو تم تطوير هذا المفهوم، فمن المشكوك فيه، أن يتم قبوله واستعماله بشكل واسع.
ويمكن القول أن منهج روزناو في وضع تعريف للعولمة يتمثل في ضرورة تحديد المشكلات المرتبطة بهذا المفهوم منذ البداية، وهكذا يطرح سؤالاً رئيسياً مبناه : ما هي العوامل التي أدت إلى بروز ظاهرة العولمة في الوقت الراهن؟ وهل هذا يرجع إلى انهيار نظام الدولة ذات الحدود المستقلة؟ وهل العولمة تتضمن زيادة التجانس أم تعميق الفوارق والاختلافات؟ وهل الهدف هو توحيد العالم أم فصل النظم المجتمعية عن طريق الحدود المصنوعة؟ وهل العولمة تنطلق عن مصادر رئيسية واحدة؟ أم من خلال الأيديولوجية؟ وهل هي عبارة عن إتحاد لكل هذه العوامل، أم أنه لا تزال هناك أبعاد أخرى؟ وهل العولمة تتميز بوجود ثقافات عامة أم مجموعة من الثقافات المحلية المتنوعة؟ وهل العولمة غامضة أم أنها تحول بارز على المدى الطويل بين العام والخاص وبين المحلى والخارجي وبين المغلق والمفتوح؟ وهل هي استمرار لنمو الفجوة بين الفقراء والأغنياء على جميع المستويات وهل العولمة تتطلب وجود حكومة عالمية؟ وفى ضوء ذلك كله يمكن إثارة سؤال رئيسي : كيف تحدث العولمة؟ وبعبارة أخرى بأي الطرق، أي من خلال أي قنوات يتم انتشار السلع والخدمات والأفراد والإفكار والمعلومات والنقود والرموز والاتجاهات وأشكال السلوك عبر الحدود.
في رأى روزناو تتم عملية الانتشار من خلال أربعة طرق متداخلة ومترابطة :
1) من خلال التفاعل الحواري ثنائي الاتجاه عن طريق تكنولوجيا الاتصال.
2) الاتصال المنولوجى أحادى الاتجاه من خلال الطبقة المتوسطة.
3) من خلال المنافسة والمحاكاة.
4) من خلال تماثل المؤسسات.
أما جيفري ساكس - مدير معهد هارفارد للتنمية الدولية - فيرى في دراسته عن الاقتصاد الدولي وحل ألغاز العولمة "أن هناك أربع مجموعات رئيسية من القضايا التي يجرى دراستها وتمحيصها، الأولى هي : هل ستكفل العولمة نمواً اقتصادياً أسرع لثلاثة أرباع البشرية (4.5 مليار نسمة) الذين يعيشون في الدول النامية؟ والثانية : هل ستؤدى العولمة إلى تطوير أم تدمير استقرار الاقتصاد الكلى؟ بمعنى آخر، هل الانهيارات المفاجئة وغير المتوقعة لاقتصاديات السوق البازغة (مثل المكسيك عام 1994، وشرق آسيا عام 1997) هي نتاج تصدعات عميقة في عملية العولمة ذاتها أم أنها مجرد ظواهر يمكن السيطرة عليها أم هي نوع من القلبات التي يمكن تجنبها في الطريق إلى ازدهار أكبر، والثالثة : هل تشجع العولمة على المزيد من اختلال توزيع الدخل، وإذا كان الأمر كذلك، فهل تقتصر المشكلة على المزيد من اختلال توزيع الدخل، وإذا كان الأمر كذلك، فهل تقتصر المشكلة على العمال قليلي المهارة في الاقتصاديات المتقدمة أم أنها نتاج تكثيف قوى السوق في جميع أنحاء العالم؟ والرابعة : تتمثل في التساؤل حول كيفية توفيق المؤسسات الحكومية سلطاتها ومسئولياتها على مختلف مستوياتها الإقليمية والوطنية والدولية في ضوء انبثاق السوق العالمي (الكوني).
ويرى جيفري ساكس بعد محاولاته للإجابة على القضايا الأربعة التي طرحها في دراسته أنه "لا جدال في أن للعولمة آثاراً عميقة على السياسة على مستويات كثيرة وأهم هذه الآثار هو طمس معالم السوق الوطنية في تعاملها مع الأسواق العالمية، ويشبه ذلك "بقلبات البحر" التي يتعرض لها دور الدولة / الأمة في علاقته بالحكومات المحلية والإقليمية من ناحية والمؤسسات المتعددة القومية من ناحية أخرى ".
ومن زاوية أخرى يرى جان - مارى جيهنيو، والذي يترأس مجلس إدارة معهد الدراسات العليا للدفاع الوطني الفرنسي، أن العولمة انتصار طويل الأمد لأمريكا، ويؤكد في دراسته أمركة العالم أم عولمة أمريكا "أن العولمة هي "أمركة العالم" أي نشر الحلم الأمريكي" على نطاق العالم، ويفتتح جان مارى جيهنيو دراسته بمقال لـ "بيير هسنر" استعرض فيه مختلف المؤلفات الأمريكية التي لم تقدم مراجع فكرية تتعلق بالحوار الدولي خلال السنوات العشر الماضية، مستنبطاً من ذلك أن الولايات المتحدة لا تفعل ذلك إلا "إذا وجدت مشقة في تحويل العالم حسب تمنياتها، فليس هناك أي مزاحم لها في تفسير ذلك".
ويرى جان - مارى جيهينيو أن هذه السيطرة الفكرية على الحوار الدولي ليست سوى اللمسة الأخيرة لهيمنة تشمل في آن واحد الجوانب العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية والثقافية والاجتماعية، وكذلك فإن التفسير الذي يقدمه جان - مارى جيهينيو للعولمة بوصفها امتداد للنموذج الأمريكي يقوم أساساً على الربط بين التجربة التاريخية المتميزة في الولايات المتحدة وظاهرة العولمة، فالنموذج الأمريكي استطاع أن يوفق بين "الذاكرة والعقد" والمقصود بالذاكرة هنا ذاكرة الأمم ذات الأصول الممتدة على مدى التاريخ، أما العقد فيشير إلى قواعد التفاهم التي توصلت إليها الولايات المتحدة عن طريق مختلف الجماعات التي توافدت عليها خلال القرون الخمسة الأخيرة في غياب الاعتماد على تراث واحد وتراب وطني مشترك ، وبالرغم من الهيمنة الأمريكية فإن جيهينيو يرى أنه سيكون للابتكار السياسي الذي تسعى إليه حالياً الوحدة الأوروبية، ولطبيعة العلاقات التي ستنمو بينها وبين الولايات المتحدة بهذا الخصوص أهمية حاسمة بالنسبة للنفوذ الأمريكي وإذا تمكنت أوروبا وأمريكا من القيام معاً ببناء مؤسسات العولمة ومن التوصل إلى توازن بين المنطق القومى والمنطق المتعدى القومية "سينعم العالم بانطلاق عولمة سينظر إليها كتطور مشروع" وعلى العكس، فإن عجزهما عن تحقيق ذلك سيفصل بينهما من خلال مواجهات يمكن أن يتحول فيها شجب أمريكا إلى عامل ترابط بين المجتمعات التي تتعرض هواياتها الخاصة للتهديد.
وفى إجابة مستترة حول إذا ما استمرت أمريكا في ممارسة هيمنتها ونفوذها وأحاديتها فإن جيهينيو يطرح عدد من الأسئلة مثل : "هل سيكتب الدوام للنجاح الأمريكي الظاهري؟ وهل نحن نشهد بداية إمبراطورية جديدة؟ أم نحن بصدد مجرد عدم توازن مؤقت وفترة "أحادية القطب" نتيجة للانهيار المفاجئ للإتحاد السوفيتي ستنتهي في غضون حوالي عشرين سنة عندما ستؤكد وجودها قوى أخرى جديدة، مثل الصين والإتحاد الأوروبي، فبعد العالم ثنائي القطب ثم أحادى القطب سيصبح العالم أخيراً متعدد الأقطاب، كيف يمكننا أن نتصور اليوم مدى القوة الأمريكية؟ وإذا كانت أمريكا من الآن فصاعداً في نفوسنا ورؤوسنا فهل يمكن أن نزعم أننا سنكون مراقبين خارجيين يعالجون المسألة بالتالي كقضية تخص السياسة الخارجية؟ أليس تفكيرنا المتعلق بطبيعة القوى الأمريكية هو تفكير حول ذاتنا وكياننا وحول ما نريد أن نكون؟ وإذا كان العالم بأسره يتأمرك، ألن تصبح سياسة الولايات المتحدة "الخارجية" بالضرورة مجرد امتداد لسياستها الداخلية عوضاً عن أن تكون تعبيراً عن مصلحة وطنية تفترض تواجد أمم أخرى في مواجهة أمريكا واثقة من هويتها الخاصة وتؤدى ر
المزيد